المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف: أولها: أن معنى الآية: فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي عن تلك التهمة ، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها: أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل ، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة . وثالثها: أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله: { مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل . ثم قال يوسف بعد ذلك: { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } وفي المراد من قوله: { إِنَّ رَبّى } وجهان: الأول: أنه هو الله تعالى ، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور . والثاني: أن المراد الملك وجعله ربًا لنفسه لكونه مربيًا وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالمًا بكيدهن ومكرهن .
واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوهًا: أحدها: أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه ، فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح . وثانيها: لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها ، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز ، فأشار بقوله: { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة . وثالثها: أنه استخرج منهن وجوهًا من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك ، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه السلام أنه لما التمس ذلك ، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن: { مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } وفيه وجهان: الأول: أن قوله: { إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } وإن كانت صيغة الجمع ، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى: { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } [ آل عمران: 173 ] والثاني: أن المراد منه خطاب الجماعة . ثم ههنا وجهان: الأول: أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسها . والثاني: أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه ، وعند هذا السؤال { قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن: { مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } .
واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة ، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت: { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ } وفيه مسائل: