اعلم أنه تعالى لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين وهو الإسراء برسول الله A ، وإيتاء الكتاب لموسى E ، وما فعله في حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلاء عليهم ، كان ذلك تنبيهًا على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب كل بلية وغرامة ، لا جرم أثنى على القرآن فقال: { إِنَّ هذا القرءان يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } .
واعلم أن قوله تعالى: { دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } [ الأنعام: 161 ] يدل على كون هذا الدين مستقيمًا ، وقوله في هذه الآية: { لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } يدل على أن هذا الدين أقوم من سائر الأديان . وأقول: قولنا هذا الشيء أقوم من ذاك ، إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة ، ثم كان حصول معنى الاستقامة في إحدى الصورتين أكثر وأكمل من حصوله في الصورة الثانية ، وهذا محال لأن المراد من كونه مستقيمًا كونه حقًا وصدقًا ، ودخول التفاوت في كون الشيء حقًا وصدقًا محال ، فكان وصفه بأنه أقوم مجازًا ، إلا أن لفظ الأفعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا: الله أكبر أي الله كبير ، وقولنا: الأشج والناقص أعدلا بني مروان ، أي: عادلًا بني مروان ، أو يحمل هذا اللفظ على الظاهر المتعارف ، والله أعلم .
البحث الثاني: قوله: { لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } نعت لموصوف محذوف ، والتقدير: يهدي للملة أو الشريعة أو الطريقة التي هي أقوم الملل والشرائع والطرق ، ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن كقوله: { ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ } [ فصلت: 34 ] أي بالخصلة التي هي أحسن .
أما قوله: { وَيُبَشّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } فاعلم أنه تعالى وصف القرآن بثلاثة أنواع من الصفات:
الصفة الأولى: أنه يهدي للتي هي أقوم ، وقد مر تفسيره .
والصفة الثانية: أنه يبشر الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير ، وذلك لأن الصفة الأولى لما دلت على كون القرآن هاديًا إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، وجب أن يظهر لهذا الصواب والصلاح أثر ، وذلك هو الأجر الكبير لأن الطريق الأقوم لا بد وأن يفيد الربح الأكبر والنفع الأعظم .
والصفة الثالثة: قوله: { وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وذلك لأن الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، كما يوجب لفاعله النفع الأكمل الأعظم ، فكذلك تركه يوجب لتاركه الضرر الأعظم الأكمل .
واعلم أن قوله: { وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة } عطف على قوله: { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، ونظيره قوله: بشرت زيدًا أنه سيعطى وبأن عدوه سيمنع .
فإن قيل: كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب؟
قلنا: مذكور على سبيل التهكم ، أو يقال: إنه من باب إطلاق اسم الضدين على الآخر ، كقوله: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] .
فإن قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة ، فكيف يليق بهذا الموضع قوله: { وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .
قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين ، والثاني: أن بعضهم قال: { لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات } [ آل عمران: 24 ] فهم في هذا القول صاروا كالمنكرين للآخرة ، والله أعلم .