وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قوله: { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف .
المسألة الثانية: بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب الأمداد والإعانة من الله ، والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد A ، فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل ، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب ، قال القاضي: إنما قدموا قولهم: { ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين ، فاذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو ، دل ذلك ظاهرًا على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله: { ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } فدخل فيه كل الذنوب ، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر ، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله: { وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } لان الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه ، قال تعالى: { قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر: 53 ] وقال: { فَلاَ يُسْرِف فّى القتل } [ الإسراء: 33 ] وقال: { كُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } [ الأعراف: 31 ] ويقال: فلان مسرف اذا كان مكثرا في النفقة وغيرها ، ثم إنهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم ، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم ، وإزالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم ، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين ، لان هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم ، وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم ، واحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم ، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم ، ومثل جريان سيل في موضع وقوفهم ، ثم قال القاضي: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره .