فهرس الكتاب

الصفحة 2730 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من تقرير هذه الآية تقرير إثبات الصانع ، وتقرير المعاد وتقرير النبوّة . وبيانه أن أحوال العالم العلوي والسفلي يدل على أن جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ومقابلاتها ، ومتى كان كذلك ، فاختصاص كل جزء من الأجزاء الجسمانية بصفته المعينة لا بدّ وأن يكون لأجل أن الصانع الحكيم القادر المختار خصّه بتلك الصفة المعينة ، فهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى .

وإذا ثبت هذا ، ثبت كونه قادرًا على الاعادة والحشر والنشر ، لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه تعالى قادرًا على كل الممكنات ، عالمًا بكل المعلومات ، وهذه القدرة والعلم يمتنع زوالهما ، فوجب صحة الاعادة ثانيًا . وأيضًا ثبت أنه تعالى ملك مطاع ، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده ، ولا بد من مبلغ ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل من الله تعالى إلى الخلق غير ممتنع . فثبت أن هذه الآية وافية بإثبات هذه المطالب الثلاثة . ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ، ذكر الله بعدها هذه الآية لتكون مقررة لمجموع تلك المطالب من الوجه الذي شرحناه والله أعلم .

المسألة الثانية: قوله تعالى: { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والارض } سؤال . وقوله { قُل لِلَّهِ } جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولًا ثم بالجواب ثانيًا . وهذا ، إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع . ولما بينا أن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام وفي جميع صفاتها ، لا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها ملك لله تعالى وملك له ومحل تصرفه وقدرته لا جرم أمره بالسؤال أولًا ثم بالجواب ثانيًا ، ليدل ذلك على أن الاقرار بهذا المعنى مما لا سبيل إلى دفعه البتة . وأيضًا فالقوم كانوا معترفين بأن كل العالم ملك لله ، وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته بهذا المعنى كما قال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان: 25 ] ثم إنه تعالى لما بيّن بهذا الطريق كممال إلهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية ، أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال: { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } فكأنه تعالى قال: إنه لم يرض من نفسه بأن لا ينعم ولا بأن يعد بالإنعام ، بل أبدًا ينعم وأبدًا يعد في المستقبل بالإنعام ومع ذلك فقد كتب على نفسه ذلك وأوجبه إيجاب الفضل والكرم . واختلفوا في المراد بهذه الرحمة فقال بعضهم: تلك الرحمة هي أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع عنهم عذاب الاستئصال ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا . وقيل إن المراد أنه كتب على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل شريعتهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت