واعلم أنه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى ، عن النبي A أنه قال:"لما فرغ الله من الخلق كتب كتابًا أن رحمتي سبقت غضبي". فإن قيل: الرحمة هي إرادة الخير ، والغضب هو إرادة الانتقام ، وظاهر هذا الخبر يقتضي كون إحدى الإرادتين سابقة على الأخرى ، والمسبوق بالغير محدث ، فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى محدثة .
قلنا: المراد بهذا السبق سبق الكثرة لا سبق الزمان . وعن سلمان أنه تعالى لما خلق السماء والأرض خلق مائة رحمة ، كل رحمة ملء ما بين السماء والأرض ، فعنده تسع وتسعون رحمة ، وقسم رحمة واحدة بين الخلائق ، فبها يتعاطفون ويتراحمون ، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتقين .
أما قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } ففيه أبحاث: الأول: «اللام» في قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } لام قسم مضمر ، والتقدير: والله ليجمعنكم .
البحث الثاني: اختلفوا في أن هذا الكلام مبتدأ أو متعلق بما قبله . فقال بعضهم أنه كلام مبتدأ ، وذلك لأنه تعالى بيّن كمال إلهيته بقوله { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والارض قُل لِلَّهِ } ثم بيّن تعالى أنه يرحمهم في الدنيا بالامهال ودفع عذاب الاستئصال ، وبيّن أنه يجمعهم إلى يوم القيامة ، فقوله { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } أنه يمهلهم وقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } أنه لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم على كل ما فعلوا .
والقول الثاني: أنع متعلق بما قبله والتقدير: كتب ربكم على نفسه الرحمة . وكتب ربكم على نفسه ليجمعنكم إلى يوم القيامة .
وقيل: أنه لما قال: { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } فكأنه قيل: وما تلك الرحمة؟ فقيل: إنه تعالى { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } وذلك لأنه لولا خوف العذاب يوم الققيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط ، فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا ، فكان قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } كالتفسير لقوله { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } .
البحث الثالث: أن قوله { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والارض قُل لِلَّهِ } كلام ورد على لفظ الغيبة . وقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } كلام ورد على سبيل المخاطبة . والمقصود منه التأكيد في التهديد ، كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله وملكه ، وقد علمتم أن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته ولا يجوز في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي وبين المشتغل بالخدمة والمعرض عنها ، فهلا علمتم أنه يقيم القيامة ويحضر الخلائق ويحاسبهم في الكل؟
البحث الرابع: ان كلمة { إلى } في قوله { إلى يَوْمِ القيامة } فيها أقوال: الأول: أنها صلة والتقدير: ليجمعنكم يوم القيامة . وقيل: { إلى } بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة .