في الآية مسائل:
المسألة الأولى قرأ ابن عامر { وَأَنَّ هذا } بفتح الألف وسكون النون وقرأ حمزة والكسائي { وَأَنْ } بكسر الألف وتشديد النون أما قراءة ابن عامر فأصلها { وإِنَّهُ هذا صراطي } والهاء ضمير الشأن والحديث وعلى هذا الشرط تخفف . قال الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
أي قد علموا أنه هالك ، وأما كسر { إن } فالتقدير { أَتْلُ مَا حَرَّمَ } [ الأنعام: 151 ] وأتل { أَنَّ هَذَا صراطي } بمعنى أقول وقيل على الاستئناف . وأما فتح أن فقال الفراء فتح { أن } من وقوع أتل عليها يعني وأتل عليكم { أَنَّ هَذَا صراطي مُسْتَقِيمًا } قال: وإن شئت جعلتها خفضًا والتقدير { ذلكم وصاكم بِهِ } وبأن هذا صراطي . قال أبو علي: من فتح { أن } فقياس قول سيبويه أنه حملها على قوله: { فاتبعوه } والتقدير لأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه كقوله: { وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة } [ المؤمنون: 52 ] وقال سيبويه لأن هذه أمتكم ، وقال في قوله: { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَدًا } [ الجن: 18 ] والمعنى ولأن المساجد لله .
المسألة الثانية: القراء أجمعوا على سكون الياء من { صراطي } غير ابن عامر فإنه فتحها وقرأ ابن كثير وابن عامر { سراطي } بالسين وحمزة بين الصاد والزاي والباقون بالصاد صافية وكلها لغات قال صاحب «الكشاف» : قرأ الأعمش { وهذا صراطي } وفي مصحف عبد الله { وهذا صراط رَبُّكُمْ } وفي مصحف أبي { وهذا صراط رَبّكَ } .
المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به أجمل في آخره إجمالًا يقتضي دخول ما تقدم فيه ، ودخول سائر الشريعة فيه فقال: { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا } فدخل فيه كل ما بينه الرسول A من دين الإسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم ، فاتبعوا جملته وتفصيله ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات . وعن ابن مسعود عن النبي A أنه خط خطًا ، ثم قال:"هذا سبيل الرشد ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطًا ، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه؟"ثم تلا هذه الآية: { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه } وعن ابن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار .
ثم قال: { ذلكم وصاكم بِهِ } أي بالكتاب { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصي والضلالات .
المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقًا فهو واحد ، ولا يلزم منه أن يقال: إن كل ما كان واحدًا فهو حق ، فإذا كان الحق واحدًا كان كل ما سواه باطلًا ، وما سوى الحق أشياء كثيرة ، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل ، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثيرًا بعين ما قررناه في القضية الأولى .