فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 8321

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين ، وذلك لأنه سبحانه لما نهاهم في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض أمرهم في هذه الآية بالإيمان ، لأن كمال حال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين: أولهما: ترك ما لا ينبغي وهو قوله: { ءامَنُواْ } وههنا مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ كما آمن الناس } أي إيمانًا مقرونًا بالإخلاص بعيدًا عن النفاق ، ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان ، فإنه لو لم يكن إيمانًا لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل فيه الإخلاص ، فكان قوله: { ءامَنُواْ } كافيًا في تحصيل المطلوب ، وكان ذكر قوله: { كَمَا ءامَنَ الناس } لغوًا ، والجواب: أن الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص ، أما في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بإقرار الظاهر فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده بقوله: { كَمَا ءامَنَ الناس } .

المسألة الثانية: اللام في { الناس } فيها وجهان: أحدهما: أنها للعهد أي كما آمن رسول الله ومن معه ، وهم ناس معهودون ، أو عبد الله بن سلام وأشياعه . لأنهم من أبناء جنسهم والثاني: أنها للجنس ثم ها هنا أيضًا وجهان: أحدهما: أن الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين ، وهؤلاء المنافقون كانوا ، منهم وكانوا قليلين ، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر . والثاني: أن المؤمنين هم الناس في الحقيقة ، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي .

المسألة الثالثة: القائل: { ءامِنُواْ كما آمن الناس } إما الرسول ، أو المؤمنون ، ثم كان بعضهم يقول لبعض: أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان ، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى: { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء } .

المسألة الرابعة: السفه الخفة يقال: سفهت الريح الشيء إذا حركته ، قال ذو الرمة:

جرين كما اهتزت رياح تسفهت ... أعاليها مر الرياح الرواسم

وقال أبو تمام الطائي:

سفيه الرمح جاهله إذا ما ... بدا فضل السفيه على الحليم

أراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه ، وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه؛ لأنه خفيف لا رزانة له وقال تعالى: { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } [ النساء: 5 ] وقال عليه السلام: « شارب الخمر سفيه » لقلة عقله وإنما سمي المنافقون المسلمين بالسفهاء؛ لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرياسة ، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء ، وكان عند المنافقين أن دين محمد A باطل ، والباطل لا يقبله إلا السفيه؛ فلهذه الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن الله تعالى قلب عليهم هذا اللقب وقوله الحق لوجوه: أحدها: أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه . وثانيها: أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه . وثالثها: أن من عادى محمدًا E فقد عادى الله ، وذلك هو السفيه .

المسألة الخامسة: إنما قال في آخر هذه الآية: { لاَّ يَعْلَمُونَ } وفيما قبلها: { لاَّ يَشْعُرُونَ } لوجهين: الأول: أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري ، وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس . الثاني: أنه ذكر السفه وهو جهل ، فكان ذكر العلم أحسن طباقًا له والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت