فهرس الكتاب

الصفحة 6064 من 8321

يعني لما بعثوا قالوا ذلك ، لأن قوله: { وَنُفِخَ فِى الصور } [ يس: 51 ] يدل على أنهم بعثوا وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لو قال قائل: لو قال الله تعالى فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون: يا ويلنا كان أليق ، نقول معاذ الله ، وذلك لأن قوله: { فَإِذَا هُم مّنَ الأجداث إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } [ يس: 51 ] على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها ، بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ ، مع أن ذلك لا بد له من الجمع والتأليف ، فلو قال يقولون ، لكان ذلك مثل الحال لينسلون ، أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك ، فإن قولهم يا ويلنا قبل أن ينسلوا ، وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفوائد .

المسألة الثانية: لو قال قائل: قد عرفنا معنى النداء في مثل يا حسرة ويا حسرتا ويا ويلنا ، ولكن ما الفرق بين قولهم وقول الله حيث قال: { ياحسرة عَلَى العباد } [ يس: 30 ] من غير إضافة ، وقالوا: يا حسرتا ويا حسرتنا ويا ويلنا؟ نقول حيث كان القائل هو المكلف لم يكن لأحد علم إلا بحالة أو بحال من قرب منه ، فكان كل واحد مشغولًا بنفسه ، فكان كل واحد يقول: يا حسرتنا ويا ويلنا ، فقوله: { قَالُواْ ياويلنا } أي كل واحد قال يا ويلي ، وأما حيث قال الله قال على سبيل العموم لشمول علمه بحالهم .

المسألة الثالثة: ما وجه تعلق: { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } بقولهم: { يا ويلنا } نقول لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل ، فقالوا: يا ولينا من بعثنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نيامًا فنبهنا؟ وهذا كما إذا كان إنسان موعودًا بأن يأتيه عدو لا يطيقه ، ثم يرى رجلًا هائلًا يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول: هذا ذلك أم لا؟ ويدل على ذكرنا قولهم: { مِن مَّرْقَدِنَا } حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيامًا فنبهوا أو كانوا موتى وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين ، فقالوا: { مَن بَعَثَنَا } إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به ، وقالوا: { مِن مَّرْقَدِنَا } إشارة إلى توهمهم احتمال الانتباه .

المسألة الرابعة: { هذا } إشارة إلى ماذا؟ نقول فيه وجهان أحدهما: أنه إشارة إلى المرقد كأنهم قالوا: من بعثنا من مرقدنا هذا فيكون صفة للمرقد يقال كلامي هذا صدق وثانيهما: { هذا } إشارة إلى البعث ، أي هذا البعث ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون .

المسألة الخامسة: إذا كان هذا صفة للمرقد فكيف يصح قوله تعالى: { مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } ؟ نقول يكون ما وعد به الرحمن ، مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق ، والمرسلون صدقوا ، أو يقال ما وعد الرحمن وصدق فيه المرسلون حق ، والأول أظهر لقلة الإضمار ، أو يقال ما وعد الرحمن خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ما وعد الرحمن من البعث ليس تنبيهًا من النوم ، وصدق المرسلون فيما أخبروكم به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت