فالأول قوله تعالى: { يُوفُونَ بالنذر } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الإيفاء بالشيء هو الإتيان به وافيًا ، أما النذر فقال أبو مسلم: النذر كالوعد ، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر ، وإن كان من الله تعالى فهو وعد ، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقول لله عليَّ كذا وكذا من الصدقة ، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي ، أو رد غائبي فعليَّ كذا كذا ، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر ، كما إذا قال: إن دخل فلان الدار فعليَّ كذا ، فمن الناس من جعله كاليمين ، ومنهم من جعله من باب النذر ، إذا عرفت هذا ، فنقول للمفسرين في تفسير الآية أقوال: أولها: أن المراد من النذر هو النذر فقط ، ثم قال الأصم: هذا مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات . لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه كان بما أوجبه الله عليه أوفى ، وهذا التفسير في غاية الحسن وثانيها: المراد بالنذر ههنا كل ما وجب عليه سواء وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء أو بأن أوجبه المكلف على نفسه فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات ، وذلك لأن النذر معناه الإيجاب وثالثها: قال الكلبي: المراد من النذر العهد والعقد ، ونظيره قوله تعالى: { أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة: 40 ] فسمى فرائضه عهدًا ، وقال: { أَوْفُواْ بالعقود } [ المائدة: 1 ] سماها عقودًا لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان .
المسألة الثانية: هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر ، لأنه تعالى عقبه بيخافون يومًا وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفًا من شر ذلك اليوم ، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجبًا ، وتأكد هذا بقوله تعالى: { وَلاَ تَنقُضُواْ الإيمان } بعد توكيدها [ النحل: 91 ] وبقوله: { ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } [ الحج: 29 ] فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم .
المسألة الثالثة: قال الفراء: وجماعة من أرباب المعاني . كان في قوله: { كَانَ مِزَاجُهَا كافورا } [ الإنسان: 5 ] زائدة وأما ههنا فكان محذوفة ، والتقدير كانوا يوفون بالنذر . ولقائل أن يقول: إنا بينا أن كان في قوله: { كَانَ مِزَاجُهَا } [ الإنسان: 5 ] ليست بزائدة ، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها ، وذلك لأنه تعالى ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي سيشربون ، فإن لفظ المضارع مشترك بين الحال والاستقبال ، ثم قال: السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنهم الآن يوفون بالنذر .
النوع الثاني: من أعمال الأبرار التي حكاها الله تعالى عنهم قوله تعالى: { ويخافون يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } .
واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل ، فلما حكى عنهم العمل وهو قوله: { يُوفُونَ } حكى عنهم النية وهو قوله: { ويخافون يَوْمًا } وتحقيقه قوله عليه السلام: