فهرس الكتاب

الصفحة 2281 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن قوله: { وَإِن مّنكُمْ } يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله: { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } واختلفوا على قولين: الأول: المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله A .

فان قيل: قوله: { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } تقديره: يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن ، فاذا كان هذا المبطىء منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله: { وَإِن مّنكُمْ } .

والجواب من وجوه: الأول: أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط . الثاني: أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان . الثالث: كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله: { وَقَالُواْ ياأيها الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } [ الحجر: 6 ] .

القول الثاني: أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا: والتبطئة بمعنى الابطاء أيضًا ، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه . وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا ، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد ، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطىء عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فاذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وإن أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين . قال: وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله: { ياأيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِى سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض } [ التوبة: 38 ] قال: والذي يدل على أن المراد بقوله: { لَّيُبَطّئَنَّ } الابطاء منهم لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم: { ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ } عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول وقال: إنه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين: { قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيدًا } فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى ، ومثل هذا الكلام انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم: { كَأَن لَّمْ تَكُنِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ } يعني الرسول: { مَّوَدَّةَ } فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين ، وإنما يمكن حمله على المنافقين ، ثم قال: فإن حمل على أنه من الابطاء والتثاقل صح في المنافقين ، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه ، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم ، فقد كان يثبطون كثيرًا من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس ، فكلا الوصفين موجود في المنافقين ، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير ، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ ، فجعلوا الأول لازما ، والثاني متعديًا ، كما يقال في أحب وحب ، فان الأول لازم والثاني متعد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت