قفيته: مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال: عقبته بفلان وقفيته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء .
فإن قيل: فأين المفعول الأول في الآية؟
قلنا: هو محذوف ، والظرف وهو قوله { على ءاثارهم } كالساد مسده ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في { ءاثارهم } للنبيّين في قوله { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } [ المائدة: 44 ] وهاهنا سؤالات:
السؤال الأول: أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقًا لما بين يديه من التوراة ، وإنما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة ، ومعلوم أنه لم يكن كذلك ، فإن شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه السلام ، فلذلك قال في آخر هذه الآية { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } [ المائدة: 47 ] فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين؟
والجواب: معنى كون عيسى مصدقًا للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزّل من عند الله ، وأنه كان حقًا واجب العمل به قبل ورود النسخ .
السؤال الثاني: لم كرر قوله { مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والجواب: ليس فيه تكرار لأن في الأول: أن المسيح يصدق التوراة ، وفي الثاني: الإنجيل يصدق التوراة .
السؤال الثالث: أنه تعالى وصف الإنجيل بصفات خمسة فقال: { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } وفيه مباحثات ثلاثة: أحدها: ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة: وثانيها: لم ذكر الهدى مرتين؟ ، وثالثها: لم خصصه بكونه موعظة للمتقين؟
والجواب على الأول: أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه ، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد ، وعلى النبوّة وعلى المعاد ، فهذا هو المراد بكونه هدىً ، وأما كونه نورًا ، فالمراد به كونه بيانًا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف ، وأما كونه مصدقًا لما بين يديه ، فيمكن حمله على كونه مبشرًا بمبعث محمد A وبمقدمه وأما كونه هدىً مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد A سبب لاهتداء الناس إلى نبوّة محمد A ، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيهًا على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوّة محمد A ، فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجًا إلى البيان والتقرير ، وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة وإنما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، كما في قوله { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] .
السؤال الرابع: قوله في صفة الإنجيل { وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } عطف على ماذا؟
الجواب: أنه عطف على محل { فِيهِ هُدًى } ومحله النصب على الحال ، والتقدير: وآتيناه الإنجيل حال كونه هدىً ونورًا ومصدقًا لما بين يديه .