فهرس الكتاب

الصفحة 8022 من 8321

أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة ، واعلم أن فضل مكة معروف ، فإن الله تعالى جعلها حرمًا آمنًا ، فقال في المسجد الذي فيها { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا } [ آل عمران: 97 ] وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب ، فقال: { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } [ البقرة: 144 ] وشرف مقام إبراهيم بقوله: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } [ البقرة: 125 ] وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال: { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران: 97 ] وقال في البيت: { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْنًا } [ البقرة: 125 ] وقال: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا } [ الحج: 26 ] وقال: { وعلى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ } [ الحج: 27 ] وحرم فيه الصيد ، وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الدنيا من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها ، فأما قوله: { وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } فالمراد منه أمور أحدها: وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه E مقيم بها وثانيها: الحل بمعنى الحلال ، أي أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات ، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك ، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك ، عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيدًا أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت لرسول الله A وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له وثالثها: قال قتادة: { وَأَنتَ حِلٌّ } أي لست بآثم ، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت ، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء ، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ، ثم قال: « إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ، ولا يختلي خلالها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . » فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا ، فقال « إلا الإذخر » .

فإن قيل: هذه السورة مكية ، وقوله: { وَأَنتَ حِلٌّ } إخبار عن الحال ، والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع بين الأمرين؟ قلنا: قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلًا ، كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت