فهرس الكتاب

الصفحة 5754 من 8321

لما أعاد من الدلائل التي مضت دليلًا من دلائل الآفاق وهو قوله: { الله الذى يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَابًا } [ الروم: 48 ] وذكر أحوال الريح من أوله إلى آخره أعاد دليلًا من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله ، فقال: { خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } أي مبناكم على الضعف كما قال تعالى: { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } [ الأنبياء: 37 ] ومن ههنا كما تكون في قول القائل فلان زين فلانا من فقره وجعله غنيًا أي من حالة فقره ، ثم قال تعالى: { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها جنينًا وطفلًا مولودًا ورضيعًا ومفطومًا فهذه أحوال غاية الضعف ، وقوله: { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله ، وقوله: { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ العليم القدير } .

إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هي تمام الضعف ، ثم بين بقوله { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } إن هذا ليس طبعًا بل هو بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى في دلائل الآفاق { فَيَبْسُطُهُ فِى السماء كَيْفَ يَشَاء } [ الروم: 48 ] { هُوَ العليم القدير } لما قدم العلم على القدرة؟ وقال من قبل { وَهُوَ العزيز الحكيم } [ الروم: 27 ] فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى العلم ، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة ههنا فنقول هناك المذكور الإعادة بقوله: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِى السموات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } [ الروم: 27 ] لأن الإعادة تكون بكن فيكون ، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر ، ثم إن قوله تعالى: { وَهُوَ العليم القدير } تبشير وإنذار لأنه إذا كان عالمًا بأعمال الخلق كان عالمًا بأحوال المخلوقات فإن عملوا خيرًا علمه وإن عملوا شرًا علمه ، ثم إذا كان قادرًا فإذا علم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب ، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب الذين هما بالقدرة قدم العلم ، وأما في الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب فقال: { وَهُوَ العليم الحكيم } وإلى مثل هذا أشار في قوله: { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون: 14 ] عقيب خلق الإنسان ، فنقول أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم ، والخلق المفهوم من قوله: { الخالقين } إشارة إلى القدرة ، ثم لما بين ذكر الإبداء والإعادة كالإبداء ذكره بذكر أحوالها وأوقاتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت