ثم قال تعالى: { فَتَرَى الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يسارعون فِيهِمْ يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ }
واعلم أن المراد بقوله { الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } المنافقون: مثل عبد الله بن أُبي وأصحابه ، وقوله يسارعون فيهم أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى نجران ، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم ، ويقول المنافقون: إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة . قال الواحدي C: الدائرة من دوائر الدهر كالدولة ، وهي التي تدور من قوم إلى قوم ، والدائرة هي التي تخشى ، كالهزيمة والحوادث الخوفة ، فالدوائر تدور ، والدوائل تدول . قال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد A فيدور الأمر كما كان قبل ذلك .
ثم قال تعالى: { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } .
قال المفسرون ( عسى ) من الله واجب ، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله ، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له ، والمعنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم ، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم ، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره ، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه . وقيل: أو أمر من عنده ، يعني أن يؤمر النبي A بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم .
فإن قيل: شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين ، وقوله { عَسَى الله أَن يَأْتِي بالفتح أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } ليس كذلك ، لأن الاتيان بالفتح داخل في قوله { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } .
قلنا: قوله { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة ، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر ثم قال تعالى: