فهرس الكتاب

الصفحة 3781 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى: { وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ بونس: 20 ] ذكرنا أن القوم إنما ذكروا ذلك لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز ، وأن محمدًا إنما يأتي به من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق ، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن هذا الكلام ، وامتدت تلك البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه إلى هذا الموضع ، ثم إنه تعالى بين في هذا المقام أن إتيان محمد عليه السلام بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على الله تعالى ، ولكنه وحي نازل عليه من عند الله ، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا الكلام بقوله: { أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } وذلك يدل على أنه معجز نازل عليه من عند الله تعالى ، وأنه مبرأ عن الافتراء والافتعال فهذا هو الترتيب الصحيح في نظم هذه الآيات .

المسألة الثانية: قوله تعالى: { وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى } فيه وجهان: الأول: أن قوله: { أَن يفترى } في تقدير المصدر ، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله ، كما تقول: ما كان هذا الكلام إلا كذبًا . والثاني: أن يقال إن كلمة { أن } جاءت ههنا بمعنى اللام ، والتقدير: ما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله ، كقوله: { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } [ التوبة: 122 ] { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين . . . وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } [ آل عمران: 179 ] أي لم يكن ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك ، فكذلك ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ، أي ليس وصفه وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله ، لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر ، والقرآن معجز لا يقدر عليه البشر ، والافتراء افتعال من فريت الأديم إذا قدرته للقطع ، ثم استعمل في الكذب كما استعمل قولهم: اختلف فلان هذا الحديث في الكذب ، فصار حاصل هذا الكلام أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله D ، ثم إنه تعالى احتج على هذه الدعوى بأمور:

الحجة الأولى: قوله: { ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } وتقرير هذه الحجة من وجوه: أحدها: أن محمدًا عليه السلام كان رجلًا أميًا ما سافر إلى بلدة لأجل التعلم ، وما كانت مكة بلدة العلماء ، وما كان فيها شيء من كتب العلم ، ثم إنه عليه السلام أتى بهذا القرآن ، فكان هذا القرآن مشتملًا على أقاصيص الأولين ، والقوم كانوا في غاية العداوة له ، فلو لم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه ولبالغوا في الطعن فيه ، ولقالوا له إنك جئت بهذه الأقاصيص لا كما ينبغي ، فلما لم يقل أحد ذلك مع شدة حرصهم على الطعن فيه ، وعلى تقبيح صورته ، علمنا أنه أتى بتلك الأقاصيص مطابقة لما في التوراة والإنجيل ، مع أنه ما طالعهما ولا تلمذ لأحد فيهما ، وذلك يدل على أنه عليه السلام إنما أخبر عن هذه الأشياء بوحي من قبل الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت