فهرس الكتاب

الصفحة 7715 من 8321

قوله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } فيه مسائل:

المسألة الأولى: المشج: في اللغة الخلط ، يقال: مشج يمشج مشجًا إذا خلط ، والأمشاج الأخلاط ، قال ابن الأعرابي: واحدها مشج ومشيج ، ويقال للشيء إذا خلط: مشيج كقولك: خليط وممشوج ، كقولك مخلوط . قال الهذلي:

كأن الريش والفوقين منه ... خلاف النصل شط به مشيج

يصف السهم بأنه قد بعد في الرمية فالتطخ ريشه وفرقاه بدم يسير ، قال صاحب «الكشاف» : الأمشاج لفظ مفرد ، وليس يجمع بدليل أنه صفة للمفرد وهو قوله: { نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } ويقال أيضًا: نطفة مشيج ، ولا يصح أن يكون أمشاجًا جمعًا للمشج بل هما مثلان في الإفراد ونظيره برمة أعشار أي قطع مسكرة ، وثوب أخلاق وأرض سباسب ، واختلفوا في معنى كون النطفة مختلطة فالأكثرون على أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة كقوله: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب } [ الطارق: 7 ] قال ابن عباس هو اختلاط ماء الرجل وهو أبيض غليظ وماء المرأة وهو أصفر رقيق فيختلطان ويخلق الولد منهما ، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة ، قال مجاهد: هي ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة صفراء ، وقال عبدالله أمشاجها عروقها ، وقال الحسن: يعني من نطفة مشجت بدم وهو دم الحيضة وذلك أن المرأة إذا تلقت ماء الرجل وحبلت أمسك حيضها فاختلطت النطفة بالدم ، وقال قتادة: الأمشاج هو أنه يختلط الماء والدم أولًا ثم يصير علقة ثم يصير مضغة ، وبالجملة فهو عبارة عن انتقال ذلك الجسم من صفة إلى صفة ، ومن حال إلى حال . وقال قوم: إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطًا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، والتقدير من نطفة ذات أمشاج فحذف المضاف وتم الكلام ، قال بعض العلماء: الأولى هو أن المراد اختلاط نطفة الرجل والمرأة لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج ، وهي إذا صارت علقة فلم يبق فيها وصف أنها نطفة ، ولكن هذا الدليل لا يقدح في أن المراد كونها أمشاجًا من الأرض والماء والهواء والحار .

أما قوله تعالى: { نَّبْتَلِيهِ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: نبتليه معناه لنبتليه ، وهو كقول الرجل: جئتك أقضي حقك ، أي لأقضي حقك ، وأتيتك أستمنحك ، أي لأستمنحك ، كذا قوله: { نَّبْتَلِيهِ } أي لنبتليه ونظيره قوله: { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } [ المدثر: 6 ] أي لتستكثر .

المسألة الثانية: نبتليه في موضع الحال ، أي خلقناه مبتلين له ، يعني مريدين ابتلاءه .

المسألة الثالثة: في الآية قولان: أحدهما: أن فيه تقديمًا وتأخيرًا ، والمعنى فجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه والقول الثاني: أنه لا حاجة إلى هذا التغيير ، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج لا للبعث ، بل للابتلاء والامتحان .

ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر ، فقال: { فَجَعَلْنَا سَمِيعًا بَصِيرًا } والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز ، كما قال تعالى حاكيًا عن إبراهيم عليه السلام: { لِمَ تَعْبُدُ مَالا يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } [ مريم: 42 ] وأيضًا قد يراد بالسميع المطيع ، كقوله سمعًا وطاعة ، وبالبصير العالم يقال: فلان بصير في هذا الأمر ، ومنهم من قال: بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان . والله تعالى خصهما بالذكر ، لأنهما أعظم الحواس وأشرفها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت