فهرس الكتاب

الصفحة 1547 من 8321

إعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أن في كيفية النظم وجهين الأول: أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما: الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال والثاني: ترك الربا ، وهو أيضًا سبب لتنقيص المال ، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم ، فقال: { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله ، وعلى ترك الربا ، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا عند حصول المال ، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف ، وقد ورد نظيره في سورة النساء { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } [ النساء: 5 ] فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببًا لمصالح المعاش والمعاد ، قال القفال C تعالى: والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار ، وفي هذه الآية بسط شديد ، ألا ترى أنه قال: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه } ثم قال ثانيًا: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } ثم قال ثالثًا: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله } فكان هذا كالتكرار لقوله { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } لأن العدل هو ما علمه الله ، ثم قال رابعًا: { فَلْيَكْتُبْ } وهذا إعادة الأمر الأول ، ثم قال خامسًا: { وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق } وفي قوله { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } كفاية عن قوله { وَلْيُمْلِلْ الذى عَلَيْهِ الحق } لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه ، ثم قال سادسًا: { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } وهذا تأكيد ، ثم قال سابعًا: { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا } فهذا كالمستفاد من قوله { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } ثم قال ثامنًا: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله } وهو أيضًا تأكيد لما مضى ، ثم قال تاسعًا: { ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى أَلاّ تَرْتَابُواْ } فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ، وكل ذلك يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل الله ، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره ، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم ، وهو حسن لطيف .

والوجه الثاني: أن قومًا من المفسرين قالوا: المراد بالمداينة السلم ، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ، ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضعه الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقًا حلالًا وسبيلًا مشروعًا فهذا ما يتعلق بوجه النظم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت