فهرس الكتاب

الصفحة 4280 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول A بقوله: { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله تعالى: { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ } في الهلاك والعذاب وإنما يقع فيه التقديم والتأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلًا ، والذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب مؤخرًا وذلك نهاية في الزجر والتحذير .

المسألة الثانية: قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم ، وقال آخرون: المراد بهذا الهلاك الموت . قال القاضي: والأقرب ما تقدم ، لأنه في الزجر أبلغ ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر ، فإن لكل أمة وقتًا معينًا في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وقال قوم آخرون: المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال ونزول الموت ، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكًا ، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معًا .

المسألة الثالثة: قال الفراء: لو لم تكن الواو مذكورة في قوله: { وَلَهَا كتاب } كان صوابًا كما في آية أخرى وهي قوله: { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } [ الشعراء: 208 ] وهو كما تقول: ما رأيت أحدًا إلا وعليه ثياب وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب .

أما قوله: { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئخِرُونَ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: من في قوله: { مِنْ أُمَّةٍ } زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد ، وقال آخرون: إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد .

المسألة الثانية: قال صاحب «النظم» معنى سبق إذا كان واقعًا على شخص كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمرًا ، أي جازه وخلفه وراءه ، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه ، وإذا كان واقعًا على زمان كان بالعكس في ذلك ، كقولك: سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله: { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئخِرُونَ } معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده ، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه ، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع ، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال ، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه ، وإذا كان كذلك ، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص ، وعلمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه ، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعًا كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت