فهرس الكتاب

الصفحة 1954 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قال: { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } [ آل عمران: 161 ] أتبعه بتفصيل هذه الجملة ، وبين ان جزاء المطيعين ما هو ، وجزاء المسيئين ما هو ، فقال: { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: للمفسرين فيه وجوه: الأول: { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } في ترك الغلول { كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله } في فعل الغلول ، وهو قول الكلبي والضحاك . الثاني: { أفمن اتبع رضوان الله } بالإيمان به والعمل بطاعته ، { كمن باء بسخط من الله } بالكفر به والاشتغال بمعصيته ، الثالث: { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } وهم المهاجرون ، { كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله } وهم المنافقون ، الرابع: قال الزجاج: لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي A أصحابه الى أن يحملوا على المشركين ، ففعله بعضهم وتركه آخرون . فقال: { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } وهم الذين امتثلوا أمره { كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله } وهم الذين لم يقبلوا قوله ، وقال القاضي: كل واحد من هذه الوجوه صحيح ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه لأن اللفظ عام ، فوجب أن يتناول الكل . لأن كل من أقدم على الطاعة فهو داخل تحت قوله { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } وكل من أخلد الى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله: { كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله } أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة ، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل لأجل خصوص السبب .

المسألة الثانية: قوله: { أَفَمَنِ اتبع } الهمزة فيه للانكار ، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أمن اتقى فاتبع رضوان الله .

المسألة الثالثة: قوله: { بَاء بِسَخطٍ } أي احتمله ورجع به ، وقد ذكرناه في سورة البقرة .

المسألة الرابعة: قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه: { رضوان الله } بضم الراء ، والباقون بالكسر وهما مصدران ، فالضم كالكفران ، والكسر كالحسبان .

المسألة الخامسة: قوله: { ومأواه جَهَنَّمُ } من صلة ما قبله والتقدير: كمن باء بسخط من الله وكان مأواه جهنم ، فأما قوله: { وَبِئْسَ المصير } فمنقطع عما قبله وهو كلام مبتدأ ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها .

المسألة السادسة: نظير هذه الآية قوله تعالى: { أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلهُمْ كالذين آمنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ ومماتُهُمْ } [ الجاثية: 21 ] وقوله: { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ } [ السجدة: 18 ] وقوله: { أَمْ نَجْعَلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } [ ص: 28 ] واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يدخل المطيعين في النار ، وأن يدخل المذنبين الجنة ، وقالوا: انه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد ، ولولا أنه ممتنع في العقول ، وإلا لما حسن هذا الاستبعاد ، وأكد القفال ذلك فقال: لا يجوز في الحكمة أن يسوى المسيء بالمحسن ، فإن فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت