اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية ، وبين قول كل فريق منهم في الآخر ، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى ، وههنا مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { لَيْسَتِ النصارى على شَىْء } أي على شيء يصح ويعتد به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم: أقل من لا شيء ، ونظيره قوله تعالى: { قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَىْء حتى تُقِيمُواْ التوراة } [ المائدة: 68 ] ، فإن قيل: كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، وذلك قول فيه فائدة؟ قلنا: الجواب من وجهين ، الأول: أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولًا باطلًا يحبط ثواب الأول ، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق . الثاني: أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيه ، وهي ما يتصل بباب النبوات .
المسألة الثانية: روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله A أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل ، وقالت النصارى لهم: نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة .
المسألة الثالثة: اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام ، والظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام ، ولا يجب لما نقل في سبب الآية أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه ، إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله: { وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء } يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر .
أما قوله تعالى: { وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } فالواو للحال ، والكتاب للجنس . أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب ، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته ، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام ، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام .
أما قوله تعالى: { كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالمًا لكي يصح هذا الفرق ، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لايعلم ، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد A فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن ، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه . أولها: أنهم كفار العرب الذين قالوا: إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرأون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه . وثانيها: أنه إذا حملنا قوله: { وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء } على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد A ، حملنا قوله: { كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } على المعاندين وعكسه أيضًا محتمل . وثالثها: أن يحمل قوله: { وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء } على علمائهم ويحمل قوله: { كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم ، والأول أقرب: لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله: { كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } يجب أن يكون غيرهم .