فهرس الكتاب

الصفحة 6162 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أردفه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: { وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } في قوله: { مِنْهُمْ } وجهان الأول: أنهم قالوا: إن محمدًا مساو لنا في الخلفة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة ، فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي والدرجات الرفيعة والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهالتهم ، وذلك لأنه جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة ، والتنفير عن الدنيا ، ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيدًا من الكذب والتهمة؛ وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ، ثم إن هؤلاء الأقوام لحماقتهم يتعجبون من قوله ، ونظيره قوله: { أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } [ المؤمنون: 69 ] فقال: { وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } ومعناه أن محمدًا كان من رهطهم وعشيرتهم وكان مساويًا لهم في الأسباب الدنيوية فاستنكفوا من الدخول تحت طاعته ومن الانقياد لتكاليفه ، وعجبوا أن يختص هو من بينهم برسالة الله وأن يتميز عنهم بهذه الخاصية الشريفة ، وبالجملة فما كان لهذا التعجب سبب إلا الحسد .

ثم قال تعالى: { وَقَالَ الكافرون هذا ساحر كَذَّابٌ } وإنما لم يقل وقالوا بل قال: { وَقَالَ الكافرون } إظهارًا للتعجب ودلالة على أن هذا القول لا يصدر إلا عن الكفر التام ، فإن الساحر هو الذي يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة الشيطان ودلالة على أن هذا القول لا يصدر إلا عن الكفر التام ، فإن الساحر هو الذي يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة الشيطان وهو عندكم بالعكس من ذلك والكذاب هو الذي يخبر عن الشيء لا على ما هو عليه وهو يخبر عن وجود الصانع القديم الحكيم العليم وعن الحشر والنشر وسائر الأشياء التي تثبت بدلائل العقول صحتها فكيف يكون كذابًا ، ثم إنه تعالى حكى جميع ما عولوا عليه في إثبات كونه كاذبًا وهي ثلاثة أشياء أحدها: ما يتعلق بالإلهيات وثانيها: ما يتعلق بالنبوات وثالثها: ما يتعلق بالمعاد ، أما الشبهة المتعلقة بالإلهيات فهي قولهم: { أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ } روي أنه لما أسلم عمر فرح به المسلمون فرحًا شديدًا وشق ذلك على قريش فاجتمع خمسة وعشرون نفسًا من صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء يعنون المسلمين فجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك فاستحضر أبو طالب رسول الله A وقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل على قومك ، فقال A ماذا يسألونني ، قالوا ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك ، فقال A: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم العجم؟ قالوا نعم ، قال تقولوا لا إله إلا الله ، فقاموا وقالوا: { أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا وَأَنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ } أي بليغ في التعجب وأقول منشأ التعجب من وجهين الأول: هو أن القوم ما كانوا من أصحاب النظر والاستدلال بل كانت أوهامهم تابعة للمحسوسات فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا تفي قدرته وعلمه بحفظ الخلق العظيم قاسوا الغائب على الشاهد ، فقالوا: لا بد في حفظ هذا العالم الكثير من آلهة كثيرة يتكفل كل واحد منهم بحفظ نوع آخر الوجه الثاني: أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا جاهلين مبطلين ، وهذا الإنسان الواحد يكون محقًا صادقًا ، وأقول لعمري لو سلمنا إجراء حكم الشاهد على الغائب من غير دليل وحجة ، لكانت الشبهة الأولى لازمة ، ولما توافقنا على فسادها علمنا أن إجراء حكم الشاهد على الغائب فاسد قطعًا ، وإذا بطلت هذه القاعدة فقد بطل أصل كلام المشبهة في الذات وكلام المشبهة في الأفعال ، أما المشبهة في الذات فهو أنهم يقولون لما كان كل موجود في الشاهد يجب أن يكون جسمًا ومختصًا بحيز وجب في الغائب أن يكون كذلك ، وأما المشبهة في الأفعال فهم المعتزلة الذين يقولون إن الأمر الفلاني قبيح منا ، فوجب أن يكون قبيحًا من الله ، فثبت بما ذكرنا أنه إن صح كلام هؤلاء المشبهة في الذات وفي الأفعال لزم القطع بصحة شبهة هؤلاء المشركين ، وحيث توافقنا على فسادها علمنا أن عمدة كلام المجسمة وكلام المعتزلة باطل فاسد . وأما الشبهة الثانية فلعمري لو كان التقليد حقًا لكانت هذه الشبهة لازمة وحيث كانت فاسدة علمنا أن التقليد باطل بقي ههنا أبحاث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت