فهرس الكتاب

الصفحة 4647 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق في قوله: { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن } [ الإسراء: 88 ] ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل طلبوا سائر المعجزات ، ثم أجاب الله بأنه لا حاجة إلى إظهار سائر المعجزات وبين ذلك بوجوه كثيرة ، منها أن قوم موسى E آتاهم الله تسع آيات بينات فلما جحدوا بها أهلكهم الله فكذا ها هنا ، ثم إنه تعالى لو آتى قوم محمد تلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها وجب إنزال عذاب الاستئصال بهم وذلك غير جائز في الحكمة لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن والذي لا يؤمن فسيظهر من نسله من يصير مؤمنًا ، ولما تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة درجته فقال: { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } والمعنى أنه ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق والصدق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع هذا المعنى وحصل وفي هذه الآية فوائد . الفائدة الأولى: أن الحق هو الثابت الذي لا يزول كما أن الباطل هو الزائل الذاهب ، وهذا الكتاب الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ومشتمل أيضًا على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض والتحريف ، وأيضًا فهذا الكتاب كتاب تكفل الله بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر: 9 ] فكان هذا الكتاب حقًا من كل الوجوه . الفائدة الثانية: أن قوله: { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ } يفيد الحصر ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة ، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله . الفائدة الثالثة: قوله: { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } يدل على أن الإنزال غير النزول ، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم . الفائدة الرابعة: قال أبو علي الفارسي الباء في قوله: { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ } بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه ، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحق وقوله: { وبالحق نَزَلَ } فيه احتمالان ، أحدهما: أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول نزلت بزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد A لأن القرآن نزل به أي عليه . الثاني: أن تكون بمعنى مع كما قلنا في قوله: { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ } ثم قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } والمقصود أن هؤلاء الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم فإني ما أرسلتك إلا مبشرًا للمطيعين ونذيرًا للجاحدين فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت