وخامسها: قوله: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيمًا } .
اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول: كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول ، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر ، والقدح في وجود الصانع المختار ، فالقوم لا شك أنهم أولًا: أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ، وثانيًا: نسبوا مريم إلى الزنا ، فالمراد بقوله { وَبِكُفْرِهِمْ } هو إنكارهم قدرة الله تعالى ، وبقوله { وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيمًا } نسبتهم إياها إلى الزنا ، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف ، وإنما صار هذا الطعن بهتانًا عظيمًا لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دلّ على براءتها من كل عيب ، نحو قوله { وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } [ مريم: 25 ] ونحو كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلًا منفصلًا عن أمه ، فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة ، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم ، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال: { سبحانك هذا بهتان عَظِيمٌ } [ النور: 16 ] وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم عليها السلام .