فيه قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين أن الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه ، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح ، وقال آخرون: كان أهل الجاهلية إذا قحطوا بعثوا رائدهم ، فإذا وجد مكانًا فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فيناديهم ، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي من أن يصيبنا آفة يعنون الجن ، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا ، وربما تفزعهم الجن فيهربون القول الثاني: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضًا ، لكن من شر الجن ، مثل أن يقول الرجل: أعوذ برسول الله من شر جن هذا الوادي ، وأصحاب هذا التأويل إنما ذهبوا إليه ، لأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن ، وهذا ضعيف ، فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلًا ، أما قوله: { فَزَادوهُمْ رَهَقًا } قال المفسرون: معناه زادوهم إثمًا وجرأة وطغيانًا وخطيئة وغيًا وشرًا ، كل هذا من ألفاظهم ، قال الواحدي: الرهق غشيان الشيء ، ومنه قوله تعالى: { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } [ يونس: 26 ] وقوله: { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } [ عبس: 41 ] ورجل مرهق أي يغشاه السائلون . ويقال رهقتنا الشمس إذا قربت ، والمعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفًا من أن يغشاهم الجن ، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان ، فإنهم لما تعوذوا بهم ، ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترؤا عليهم فزادوهم ظلمًا ، وهذا معنى قول عطاء خبطوهم وخنقوهم ، وعلى هذا القول زادوا من فعل الجن وفي الآية قول آخر وهو أن زادوا من فعل الإنس وذلك لأن الإنس لما استعاذوا بالجن فالجن يزدادون بسبب ذلك التعوذ طغيانًا فيقولون: سدنا الجن والإنس ، والقول الأول هو اللائق بمساق الآية والموافق لنظمها .
النوع السادس: قوله تعالى: