فهرس الكتاب

الصفحة 4187 من 8321

[ 35 ] { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون تَجْرِى مِن تَحْتهَا الأنهار أُكُلُهَا دآئِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة ، أتبعه بذكر ثواب المتقين وفي قوله: { مثل الجنة } أقوال: الأول: قال سيبويه: { مثل الجنة } مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة . والثاني: قال الزجاج: مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا . والثالث: مثل الجنة مبتدأ وخبره تجري من تحتها الأنهار ، كما تقول صفة زيد اسم . والرابع: الخبر هو قوله: { أكلها دائم } لأنه الخارج عن العادة كأنه قال: { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار } كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم .

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث: أولها: تجري من تحتها الأنهار . وثانيها: أن أكلها دائم . والمعنى: أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها وثمرها ومنافعها . أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة . وثالثها: أن ظلها دائم أيضًا ، والمراد أنه ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة ونظيره قوله تعالى: { لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا } [ الإنسان: 13 ] ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بين أن ذلك عقبى الذين اتقوا يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة ، وعاقبة الكافرين النار . وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب موصوفة بصفة الدوام .

واعلم أن قوله: { أكلها دائم } فيه مسائل ثلاث:

المسألة الأولى: أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم وأتباعه .

المسألة الثانية: أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم ، كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه .

المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد ، لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وأن ينقطع أكلها لقوله تعالى: { كل من عليها فان } [ الرحمن: 26 ] . و { كل شيء هالك إلا وجهه } [ القصص: 88 ] لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى: { أكلها دائم } فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة . ثم قال: فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها الملائكة ومن يعد حيًا من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي في ذلك ، إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة .

والجواب: أن دليلهم مركب من آيتين: أحدهما: قوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } والأخرى قوله: { أكلها دائم وظلها } فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط دليلهم فنحن نخصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة ، وهو قوله تعالى: { وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين } [ آل عمران: 133 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت