فهرس الكتاب

الصفحة 5519 من 8321

اعلم أن أكثر ما في هذا الآيات قد مر شرحه ، ولنذكر ما هو من خواص هذا الموضع: يقال علام عطف قوله: { وَأَلْقِ عَصَاكَ } ؟ جوابه: على { بُورِكَ } [ النمل: 8 ] لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك ، كلاهما تفسير لنودي .

أما قوله: { كَأَنَّهَا جَانٌّ } فالجان الحية الصغيرة ، سميت جانًا ، لأنها تستتر عن الناس ، وقرأ الحسن { جَانٌّ } على لغة من يهرب من التقاء الساكنين ، فيقول شأبة ودأبة .

أما قوله: { وَلَمْ يُعَقّبْ } معناه لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا ( مر ) بعد الفرار ، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به ، ويدل عليه { إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون } وقال بعضهم: المراد إني إذا أمرتهم بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة .

أما قوله تعالى: { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة ، ويحتمل أن يكون المقصود منه التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة . قال الحسن C: كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطي ثم بدل ، فإنه عليه السلام قال: { رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى } [ القصص: 16 ] وقرىء ( ألا من ظلم ) بحرف التنبيه .

أما قوله تعالى: { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوء } فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب ، وعن أبي بكر في رواية عاصم ( حسنًا ) . أما قوله: { في تسع آيات } فهو كلام مستأنف ، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف ، والمعنى اذهب في تسع آيات إلى فرعون ، ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة ، اثنتان منها اليد والعصا ، والتسع: الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم .

أما قوله: { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا مُبْصِرَةً } فقد جعل الإبصار لها ، وهو في الحقيقة لمتأملها ، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها ، أو جعلت كأنها لظهورها تبصر فتهتدي ، وقرأ علي بن الحسين وقتادة { مُبْصِرَةً } وهو نحو مجبنة ومبخلة ، أي مكانًا يكثر فيه التبصر .

أما قوله: { واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } فالواو فيها واو الحال ، وقد بعدها مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم ، والاستيقان أبلغ من الإيقان .

أما قوله: { ظُلْمًا وَعُلُوًّا } فأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله تعالى ، ثم كابر بتسميتها سحرًا بينًا . وأما العلو فهو التكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله: { فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْمًا عالين } [ المؤمنون: 46 ] وقرىء ( عليًا ) و ( عليًا ) بالضم والكسر ، كما قرىء ( عتيًا ) و { عِتِيًّا } [ مريم: 8 ، 69 ] ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت