في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال الواحدي: هذه الآية فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو الذي عليه العامة أن النبي A لما رأى حمزة وقد مثلوا به قال: « والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك » فنزل جبريل عليه السلام بخواتيم سورة النحل فكف رسول الله A وأمسك عما أراد .
وهذا قول ابن عباس Bهما في رواية عطاء ، وأبي بن كعب والشعبي وعلى هذا قالوا: إن سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاث .
والقول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد ، حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدؤا بالقتال وهو قوله تعالى: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } [ البقرة: 190 ] وفي هذه الآية أمر الله بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا .
والقول الثالث: أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم ، وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين قال ابن سيرين: إن أخذ منك رجل شيئًا فخذ منه مثله ، وأقول: إن حمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى وذلك يطرق الطعن إليه وهو في غاية البعد ، بل الأصوب عندي أن يقال: المراد أنه تعالى أمر محمدًا A أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالطريق الأحسن ، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم ، وبالإعراض عنه والحكم عليه بالكفر والضلالة وذلك مما يشوش القلوب ويوحش الصدور ، ويحمل أكثر المستمعين على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة ، وبالضرب ثانيًا وبالشتم ثالثًا ، ثم إن ذلك المحق إذا شاهد تلك السفاهات ، وسمع تلك المشاغبات لا بد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب ، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة ، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه .
فإن قيل: فهل تقدحون فيما روي أنه عليه السلام ترك العزم على المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية؟
قلنا: لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية ، لأنا نقول: تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية ، إنما الذي ينازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية على هذه الواقعة ، لأن ذلك يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى .
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتب ذلك على أربع مراتب: