فهرس الكتاب

الصفحة 4491 من 8321

المرتبة الأولى: قوله: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } يعني إن رغبتم في استقباء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ، فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته وفي قوله: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } دليل على أن الأولى له أن لا يفعل ، كما أنك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح ، كان معناه أن الأولى بك أن لا تأكله ، فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض على أن الأولى تركه .

والمرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله: { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين } وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام ، لأن الرحمة أفضل من القسوة والإنفاع أفضل من الإيلام .

المرتبة الثالثة: وهو ورود الأمر بالجزم بالترك وهو قوله: { واصبر } لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى ، وفي هذه المرتبة الثالثة صرح بالأمر بالصبر ، ولما كان الصبر في هذا المقام شاقًا شديدًا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال: { وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله } أي بتوفيقه ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر وفي حصول جميع أنواع الطاعات . ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال: { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } وذلك لأن إقدام الإنسان على الانتقام ، وعلى إنزال الضرر بالغير لا يكون إلا عند هيجان الغضب ، وشدة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين: أحدهما: فوات نفع كان حاصلًا في الماضي وإليه الإشارة بقوله: { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } قيل معناه: ولا تحزن على قتلى أحد ، ومعناه لا تحزن بسبب فوت أولئك الأصدقاء . ويرجع حاصله إلى فوت النفع . والسبب الثاني: لشدة الغضب توقع ضرر في المستقبل ، وإليه الإشارة بقوله: { وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } ومن وقف على هذه اللطائف عرف أنه لا يمكن كلام أدخل في الحسن والضبط من هذا الكلام بقي في لفظ الآية مباحث:

البحث الأول: قرأ ابن كثير: { وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ } بكسر الضاد ، وفي النمل مثله ، والباقون: بفتح الضاد في الحرفين . أما الوجه في القراءة المشهورة فأمور: قال أبو عبيدة: الضيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن ، وما كان في القلب فإنه الضيق . وقال أبو عمرو: الضيق بالكسر الشدة والضيق بفتح الضاد الغم . وقال القتيبي: ضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولين . وبهذا الطريق قلنا: إنه تصح قراءة ابن كثير .

البحث الثاني: قرىء { وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ } .

البحث الثالث: هذا من الكلام المقلوب ، لأن الضيق صفة ، والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون المصوف حاصلًا في الصفة ، فكان المعنى فلا يكون الضيق فيك ، إلا أن الفائدة في قوله: { وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ } هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به ، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت