فهرس الكتاب

الصفحة 3159 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ، وفيه فوائد: أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قَبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم محمد E بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت . فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك على قلبه . وثانيها: أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة ، وذلك يقوي قلوب المحقين ويكسر قلوب المبطلين . وثالثها: التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه . ورابعها: بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد E ، لأنه عليه السلام كان أميًا وما طالع كتابًا ولا تلمذ أستاذًا ، فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله ، وذلك يدل على صحة نبوته .

ولقائل أن يقول: الأخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز ، لاحتمال أن يقال إن إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها إليه ، أما الأخبار عن الغيوب المستقبلة فإنه معجز لأن علم الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى .

واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام ، وقد سبق ذكرها .

والقصة الثانية: قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : قوله: { لَقَدْ أَرْسَلْنَآ } جواب قسم محذوف .

فإن قالوا: ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد ، وذكر هذه اللام بدون قد نادر كقوله:

حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا ... قلنا: إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدًا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم .

المسألة الثانية: قرأ الكسائي { غَيْرُهُ } بكسر الراء على أنه نعت للإله على اللفظ والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع لأن تقدير الكلام ما لكم إله غيره ، وقال أبو علي: وجه من قرأ بالرفع قوله: { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } [ آل عمران: 62 ] فكما أن قوله: { إِلاَّ الله } بدل من قوله: { مَّا مِن إِلَهٍ } كذلك قوله: { غَيْرُهُ } يكون بدلًا من قوله: { مِنْ إِلَهٍ } فيكون ( غَيْرِ ) رفعًا بالاستثناء ، وقال صاحب الكشاف: قرىء ( غَيْرِ ) الحركات الثلاث ، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم ، قال وأما النصب فعلى الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زيدًا وغير زيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت