فهرس الكتاب

الصفحة 3160 من 8321

المسألة الثالثة: قال الواحديُّ: في الكلام حذف ، وهو خبر { مَا } لأنك إذا جعلت { غَيْرُهُ } صفة لقوله: { إِلَهٍ } لم يبق لهذا المنفي خبر ، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف ، لأنك إذا قلت زيد العاقل وسكت ، لم يفد ما لم تذكر خبره . ويكون التقدير ما لكم من إله غيره في الوجود ، أقول: اتفق النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لا بد فيه من إضمار ، والتقدير: لا إله في الوجود أو لا إله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة ، فإنا نقول لم لا يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة؟ وعلى هذه الماهية ، فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله ، وإذا حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه .

فإن قالوا: صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها ، فلا يمكن أن يقال لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية ، وإنما الممكن أن يقال إن تلك الحقائق غير موجودة ولا حاصلة ، وحينئذ يجب إضمار الخبر .

فنقول: هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها ، وذلك باطل قطعًا . إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن الوجود أيضًا حقيقة من الحقائق وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات؟

فإن قالوا: إذا قلنا لا رجل ، وعنينا به نفي كونه موجودًا ، فهذا النفي لم ينصرف إلى ماهية الوجود ، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة بالوجود .

فنقول: تلك الموصوفية يستحيل أن تكون أمرًا زائدًا على الماهية وعلى الوجود ، إذ لو كانت الموصوفية ماهية ، والوجود ماهية أخرى ، لكانت تلك الماهية موصوفة أيضًا بالوجود ، والكلام فيه كما فيما قبله ، فيلزم التسلسل ، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجودًا واحدًا ، بل موجودات غير متناهية وهو محال . ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن يكون أمرًا مغايرًا للماهية والوجود ، وإما أن لا يكون كذلك . فإن لم يكن أمرًا مغايرًا لها فحينئذ يكون لذلك المغاير ماهية ووجود ، وماهيته لا تقبل الارتفاع ، وحينئذ يعود السؤال المذكور . فثبت بما ذكرنا أن الماهية أن لم تقبل النفي والرفع ، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات ، فإن كانت الماهية قابلة للنفي والرفع ، فحينئذ يمكن صرف كلمة «لا» في قولنا لا إله إلا الله إلى هذه الحقيقة ، وحينئذ لا يحتاج إلى التزام الحذف والإضمار الذي يذكره النحويون ، فهذا كلام عقلي صرف ، وقع في هذا البحث الذي ذكره النحويون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت