واعلم أن هذا هو القصة الثانية وقوله: { نِعْمَ العبد } فيه مباحث:
الأول: نقول المخصوص بالمدح في { نِعْمَ العبد } محذوف ، فقيل هو سليمان ، وقيل داود ، والأول أولى لأنه أقرب المذكورين ، ولأنه قال بعده { إِنَّهُ أَوَّابٌ } ولا يجوز أن يكون المراد هو داود ، لأن وصفه بهذا المعنى قد تقدم في الآية المتقدمة حيث قال: { واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ ص: 17 ] فلو قلنا لفظ الأواب ههنا أيضًا صفة داود لزم التكرار ، ولو قلنا إنه صفة لسليمان لزم كون الابن شبيهًا لأبيه في صفات الكمال في الفضيلة ، فكان هذا أولى .
الثاني: أنه قال أولًا { نِعْمَ العبد } ثم قال بعده { إِنَّهُ أَوَّابٌ } وهذه الكلمة للتعليل ، فهذا يدل على أنه إنما كان { نِعْمَ العبد } لأنه كان أوابًا ، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات كان موصوفًا بأنه { نِعْمَ العبد } وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه ، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ورأس المعارف ورئيسها معرفة الله تعالى ، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة الله تعالى ، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى الله تعالى فكان أوابًا ، فثبت أن كل من كان أوابًا وجب أن يكون { نِعْمَ العبد } .
أما قوله: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ } ففيه وجوه الأول: التقدير { نِعْمَ العبد } هو إذ كان من أعماله أنه فعل كذا الثاني: أنه ابتداء كلام . والتقدير اذكر يا محمد إذ عرض عليه كذا وكذا ، والعشي هو من حين العصر إلى آخر النهار عرض الخيل عليه لينظر إليها ويقف على كيفية أحوالها ، والصافنات الجياد الخيل وصفت بوصفين أولهما: الصافنات ، قال صاحب «الصحاح» : الصافن الذي يصفن قدميه ، وفي الحديث"كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا صفونا"أي قمنا صافنين أقدامنا ، وأقول على كلا التقديرين فالصفون صفة دالة على فضيلة الفرس والصفة الثانية: للخيل في هذه الآية الجياد ، قال المبرد: والجياد جمع جواد وهو الشديد الجري ، كما أن الجواد من الناس هو السريع البذل ، فالمقصود وصفها بالفضيلة والكمال حالتي وقوفها وحركتها . أما حال وقوفها فوصفها بالصفون ، وأما حال حركتها فوصفها بالجودة ، يعني أنها إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها على أحسن الأشكال ، فإذا جرت كانت سراعًا في جريها ، فإذا طلبت لحقت ، وإذا طلبت لم تلحق ، ثم قال تعالى: { فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى } وفي تفسير هذه اللفظة وجوه الأول: أن يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن ، كأنه قيل أنبت حب الخير عن ذكر ربي والثاني: أن أحببت بمعنى ألزمت ، والمعنى أني ألزمت حب الخيل عن ذكر ربي ، أي عن كتاب ربي وهو التوراة ، لأن ارتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح فكذلك في التوراة ممدوح والثالث: أن الإنسان قد يحب شيئًا لكنه يحب أن لا يحبه كالمريض الذي يشتهي ما يزيد في مرضه ، والأب الذي يحب ولده الرديء ، وأما من أحب شيئًا ، وأحب أن يحبه كان ذلك غاية المحبة فقوله أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبي لهذه الخيل .