اعلم أنه تعالى لما تكلم في الآية المتقدمة في المسائل الإلهية تكلم في هذه الآية فيما يتعلق بتقرير النبوة . وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في قوله: { وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان } قولان:
القول الأول: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله A إذا قرأ القرآن على الناس . روي أنه E كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان ، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار ، وعن أسماء أنه A كان جالسًا ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد رسول الله A وهي تقول:
مذممًا أتينا ... ودينه قلينا
وأمره عصينا ... فقال أبو بكر: يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك ، فتلا رسول الله A هذه الآية فجاءت فما رأت رسول الله E وقالت: إن قريشًا قد علمت أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك . وروى ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي A ويستمعون إلى حديثه ، فقال النضر يومًا: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحرك بشيء . وقال أبو سفيان: أني لأرى بعض ما يقوله حقًا ، وقال أبو جهل: هو مجنون . وقال أبو لهب هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر ، فنزلت هذه الآية ، وكان رسول الله A إذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاثة آيات وهي قوله في سورة الكهف: { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } [ الكهف: 57 ] وفي النحل: { أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ النحل: 108 ] وفي حم الجاثية: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية: 23 ] إلى آخر الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين ، وهو المراد من قوله تعالى: { جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا } وفيه سؤال: وهو أنه كان يجب أن يقال حجابًا ساترًا .
والجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي A وذلك الحجاب شيء لا يراه فكان مستورًا من هذا الوجه ، احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضرًا مع أنه لا يراه ذلك الإنسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعًا يمنعه عن رؤيته بهذه الآية قالوا: إن النبي A كان حاضرًا وكانت حواس الكفار سليمة ، ثم إنهم ما كانوا يرونه ، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أنه جعل بينه وبينهم حجابًا مستورًا ، والحجاب المستور لا معنى له إلا المعنى الذي خلقه الله تعالى في عيونهم ، وكان ذلك المعنى مانعًا لهم من أن يروه ويبصروه .