فهرس الكتاب

الصفحة 8265 من 8321

{ إِذَا جَاء نَصْرُ الله } في الآية لطائف:

إحداها: أنه تعالى لما وعد محمدًا بالتربية العظيمة بقوله: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى: 5 ] وقوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } [ الكوثر: 1 ] لا جرم كان يزداد كل يوم أمره ، كأنه تعالى قال: يا محمد لم يضيق قلبك ، ألست حين لم تكن مبعوثًا لم أضيعك بل نصرتك بالطير الأبابيل ، وفي أول الرسالة زدت فجعلت الطير ملائكة ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بخمسة آلاف ثم الآن أزيد فأقول إني أكون ناصرًا لك بذاتي: { إِذَا جَاء نَصْرُ الله } فقال: إلهي إنما تتم النعمة إذا فتحت لي دار مولدي ومسكني فقال: { والفتح } فقال: إلهي لكن القوم إذا خرجوا ، فأي لذة في ذلك فقال: { وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِى دِينِ الله أفواجا } ثم كأنه قال: هل تعلم يا محمد بأي سبب وجدت هذه التشريفات الثلاثة إنما وجدتها لأنك قلت في السورة المتقدمة: { يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } [ الكافرون: 1 ] يشتمل على أمور ثلاثة أولها: نصرتني بلسانك فكان جزاؤه: { إِذَا جَاء نَصْرُ الله } وثانيها: فتحت مكة قلبك بعسكر التوحيد فأعطيناك فتح مكة وهو المراد من قوله ، { والفتح } والثالث: أدخلت رعية جوارحك وأعضائك في طاعتي وعبوديتي فأنا أيضًا أدخلت عبادي في طاعتك ، وهو المراد من قوله: { يَدْخُلُونَ فِى دِينِ الله أفواجا } ثم إنك بعد أن وجدت هذه الخلع الثلاثة فابعث إلى حضرتي بثلاث أنواع من العبودية تهادوا تحابوا ، إن نصرتك فسبح ، وإن فتحت مكة فاحمد وإن أسلموا فاستغفر ، وإنما وضع في مقابلة: نصر الله تسبيحه ، لأن التسبيح هو تنزيه الله عن مشابهة المحدثات ، يعني تشاهد أنه نصرك ، فإياك أن تظن أنه إنما نصرك لأنك تستحق منه ذلك النصر ، بل اعتقد كونه منزهًا عن أن يستحق عليه أحد من الخلق شيئًا ، ثم جعل في مقابل فتح مكة الحمد لأن النعمة لا يمكن أن تقابل إلا بالحمد ، ثم جعل في مقابلة دخول الناس في الدين الاستغفار وهو المراد من قوله: { واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } [ محمد: 19 ] أي كثرة الأتباع مما يشغل القلب بلذة الجاه والقبول ، فاستغفر لهذا القدر من ذنبك ، واستغفر لذنبهم فإنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر فكان احتياجهم إلى استغفارك أكثر الوجه الثاني: أنه عليه السلام لما تبرأ عن الكفر وواجههم بالسوء في قوله: { يا أيها الكافرون } كأنه خاف بعض القوم فقلل من تلك الخشونة فقال: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } فقيل: يا محمد لا تخف فإني لا أذهب بك إلى النصر بل أجيء بالنصر إليك: { إِذَا جَاء نَصْرُ الله } نظيره: «زويت لي الأرض» يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك ، فإن سئمت المقام وأردت الرحلة ، فمثلك لا يرتحل إلا إلى قاب قوسين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت