فهرس الكتاب

الصفحة 2821 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع من التخويف فبين كونه تعالى قادرًا على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة ، وأما إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم ، وتارة من تحت أرجلهم ففيه قولان: الأول: حمل اللفظ على حقيقته فنقول: العذاب النازل عليهم من فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق ، كما في قصة نوح والصاعقة النازلة عليهم من فوق . وكذا الصيحة النازلة عليهم من فوق . كما حصب قوم لوط ، وكما رمى أصحاب الفيل ، وأما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم . فمثل الرجفة ، ومثل خسف قارون . وقيل: هو حبس المطر والنبات وبالجملة فهذه الآية تتناول جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق ، وظهورها من أسفل .

القول الثاني: أن يحمل هذا اللفظ على مجازه . قال ابن عباس: في رواية عن عكرمة عذابًا من فوقكم أي من الأمراء ، ومن تحت أرجلكم من العبيد والسفلة . أما قوله: { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } فاعلم أن الشيع جمع الشيعة ، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة والجمع شيع وأشياع . قال تعالى: { كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ } [ سبأ: 54 ] وأصله من الشيع وهو التبع ، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضًا . قال الزجاج قوله: { يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق ، فيجعلكم فرقًا ولا تكونون فرقة واحدة ، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضًا وهو معنى قوله: { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } عن ابن عباس Bهما: لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية شق ذلك على الرسول E وقال: « ما بقاء أمتي إن عوملوا بذلك » فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك ، فسأل ربه أن لا يفعل بهم ذلك . فقال جبريل: إن الله قد أمنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم عذابًا من فوقهم كما بعثه على قوم نوح ولوط ، ولا من تحت أرجلهم كما خسف بقارون ولم يجرهم من أن يلبسهم شيعًا بالأهواء المختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض بالسيف . وعن النبي A: « إن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة الناجية فرقة » وفي رواية أخرى كلهم في الجنة إلا الزنادقة .

المسألة الثانية: ظاهر قوله: { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } هو أنه تعالى يحملهم على الأهواء المختلفة والمذاهب المتنافية . وظاهر أن الحق منها ليس إلا الواحد ، وما سواه فهو باطل فهذا يقتضي أنه تعالى قد يحمل المكلف على الاعتقاد الباطل وقوله: { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } لا شك أن أكثرها ظلم ومعصية ، فهذا يدل على كونه تعالى خالقًا للخير والشر ، أجاب الخصم عنه بأن الآية تدل على أن الله تعالى قادر عليه وعندنا الله قادر على القبيح . إنما النزاع في أنه تعالى هل يفعل ذلك أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت