فهرس الكتاب

الصفحة 3259 من 8321

في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: الاختيار: افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ، وأصل اختار: اختير ، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفًا نحو قال وباع ، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما ، مختار ، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء فيهما ألفًا فاستويا في اللفظ . وتحقيق الكلام فيه أن نقول: إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك ، وصالحة للفعل ولضده ، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدرًا لأحد الجانبين دون الثاني ، وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح ، وهو محال ، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعًا زائدًا وصلاحًا راجحًا ، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده . فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحًا على الترك ، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيرًا من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلًا ، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفًا على حكمه بكون ذلك الفعل خيرًا من تركه ، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلًا اختياريًا والله أعلم .

فإن قيل: إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور .

فنقول: إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل ، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيرًا لا شرًا . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم .

المسألة الثانية: قال جماعة النحويين: معناه واختار موسى من قومه سبعين . فحذفت كلمة «من» ووصل الفعل فنسب ، يقال: اخترت من الرجال زيدًا واخترت الرجال زيدًا ، وأنشدوا قول الفرزدق:

ومنا الذي اختار الرجال سماحة ... وجودًا إذا هب الرياح الزعازع

قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني ، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيدًا ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيدًا وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر:

أستغفر الله ذنبًا لست أحصيه ... ويقال أمرت زيدًا بالخير وأمرت زيدًا الخير قال الشاعر:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... والله أعلم .

وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقًا لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله: { سَبْعِينَ رَجُلًا } عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات .

المسألة الثالثة: ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطًا من كل سبط ستة ، فصاروا اثنين وسبعين ، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا ، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع . وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخًا ، فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخًا فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ، ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت