فهرس الكتاب

الصفحة 721 من 8321

اعلم أن هذا النوع أيضًا من قبائح أفعالهم: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني به اليهود: { آمنوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } أي بكل ما أنزل الله ، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة «ما» بمعنى الذي تفيد العموم ، قالوا: لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة «ما» تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك: { قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن . وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلًا من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلًا من عند الله وجب الإيمان به ، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض .

أما قوله تعالى: { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان بمحمد A ، وبيانه من وجهين: الأول: ما دل عليه قوله تعالى: { وَهُوَ الحق } أنه لما ثبتت نبوة محمد A بالمعجزات التي ظهرت عليه ، إنه E أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجبًا لا محالة ، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال . الثاني: ما دل عليه قوله: { مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } وتقريره من وجهين ، الأول: أن محمدًا صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علمًا ولا استفاد من أستاذ ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلًا علمنا أنه E إنما استفادها من الوحي والتنزيل . الثاني: أن القرآن يدل على نبوة محمد A فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته ، وإلا لم يكن القرآن مصدقًا للتوراة بل مكذبًا لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد E وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد E .

أما قوله تعالى: { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله مِن قَبْلُ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر ، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقًا في ادعاء النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفرًا فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت