اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام ، فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولًا وغدًا يرجع عنه ، فنزلت هذه الآية ، والكلام في الآية مرتب على مسائل:
المسألة الأولى: النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء ، وقال القفال: إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال: نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت ، ونسخت الشمس الظل إذا عدم ، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه ، وقال تعالى: { إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان } [ الحج: 52 ] أي يزيله ويبطله ، والأصل في الكلام الحقيقة . وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعًا للاشتراك . فإن قيل: وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز ، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى ، وإذا كان ذلك مجازًا امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول: بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته ، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرنًا بعد قرن ، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلًا عن الأول ، وقال تعالى: { هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الجاثية: 29 ] فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعًا للاشتراك ، والجواب عن الأول من وجهين . أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضًا ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير . والثاني: أن أهل اللغة إنما أخطأوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح ، فهب أنه كذلك ، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لاسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس ، وعن الثاني: أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى ، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر ، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم .
المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: ( ما ننسخ ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان . أحدهما: أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد . والثاني: أنسخته جعتله ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلًا . أقبروا فلانًا ، أي اجعلوه ذا قبر ، قال تعالى: { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } [ عبس: 21 ] ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ( ننسأها ) بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا ، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير .