فهرس الكتاب

الصفحة 6671 من 8321

هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، وهي إما مع الله تعالى أو مع الرسول A أو مع غيرهم من أبناء الجنس ، وهم على صنفين ، لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين وداخلين في رتبة الطاعة أو خارجًا عنها وهو الفاسق والداخل في طائفتهم السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضرًا عندهم أو غائبًا عنهم فهذه خمسة أقسام أحدها: يتعلق بجانب الله وثانيها: بجانب الرسول وثالثها: بجانب الفساق ورابعها: بالمؤمن الحاضر وخامسها: بالمؤمن الغائب فذكرهم الله تعالى في هذه السورة خمس مرات { يا أيها الذين آمنوا } وأرشدهم في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة فقال أولًا: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات: 1 ] وذكر الرسول كان لبيان طاعة الله لأنها لا تعلم إلا بقول رسول الله ، وقال ثانيًا: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبي } [ الحجرات: 2 ] لبيان وجوب احترم النبي A وقال ثالثًا: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } لبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على أقوالهم ، فإنهم يريدون إلقاء الفتنة بينكم وبين ذلك عند تفسير قوله { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات: 9 ] وقال رابعًا: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } [ الحجرات: 11 ] وقال: { وَلاَ تَنَابَزُواْ } [ الحجرات: 11 ] لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم والازدراء بحالهم ومنصبهم ، وقال خامسًا: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ اجتنبوا كَثِيرًا مّنَ الظن إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ } [ الحجرات: 12 ] وقال: { وَلاَ تَجَسَّسُواْ } [ الحجرات: 12 ] وقال: { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا } [ الحجرات: 12 ] لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته ، وذكر ما لو كان حاضرًا لتأذى ، وهو في غاية الحسن من الترتيب ، فإن قيل: لم لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة الابتداء بالله ورسوله ، ثم بالمؤمن الحاضر ، ثم بالمؤمن الغائب ، ثم بالفاسق؟ نقول: قدم الله ما هو الأهم على ما دونه ، فذكر جانب الله ، ثم ذكر جانب الرسول ، ثم ذكر ما يفضي إلى الاقتال بين طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق والاعتماد عليه ، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفارًا للصدور ، وأما المؤمن الحاضر أو الغائب فلا يؤذي المؤمن إلى حد يفضي إلى القتل ، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عقيب نبأ الفاسق آية الاقتتال ، فقال: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } وفي التفسير مسائل:

المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية ، هو أن النبي A بعث الوليد بن عقبة ، وهو أخو عثمان لأمه إلى بني المصطلق وليًا ومصدقًا فالتقوه ، فظنهم مقاتلين ، فرجع إلى النبي A وقال: إنهم امتنعوا ومنعوا ، فهم الرسول A بالإيقاع بهم ، فنزلت هذه الآية ، وأخبر النبي A بأنهم لم يفعلوا من ذلك شيئًا ، وهذا جيد إن قالوا بأن الآية نزلت في ذلك الوقت ، وأما إن قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصرًا عليه ومتعديًا إلى غيره فلا ، بل نقول هو نزل عامًا لبيان التثبت ، وترك الاعتماد على قول الفاسق ، ويدل على ضعف قول من يقول: إنها نزلت لكذا ، أن الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا ، والنبي A لم ينقل عنه أنه بين أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب ، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت ، وهو مثل التاريخ لنزول الآية ، ونحن نصدق ذلك ، ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سيء بعيد ، لأنه توهم وظن فأخطأ ، والمخطىء لا يسمى فاسقًا ، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن ربقة الإيمان لقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت