فهرس الكتاب

الصفحة 6130 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قال من قبل: { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين } [ الصافات: 71 ] وقال: { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } [ الصافات: 73 ] أتبعه بشرح وقائع الأنبياء عليهم السلام فالقصة الأولى: حكاية حال نوح عليه السلام وقوله: { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المجيبون } فيه مباحث:

الأول: أن اللام في قوله: { فَلَنِعْمَ المجيبون } جواب قسم محذوف والمخصوص بالمدح محذوف ، أي فلنعم المجيبون نحن .

البحث الثاني: أنه تعالى ذكر أن نوحًا نادى ولم يذكر أن ذلك النداء في أي الوقائع كان؟ لا جرم حصل فيه قولان الأول: وهو المشهور عند الجمهور أنه نادى الرب تعالى في أن ينجيه من محنة الغرق وكرب تلك الواقعة والقول الثاني: أن نوحًا عليه السلام لما اشتغل بدعوة قومه إلى الدين الحق بالغوا في إيذائه وقصدوا قتله ، ثم إنه عليه السلام نادى ربه واستنصره على كفار قومه ، فأجابه الله تعالى ومنعهم من قتله وإيذائه ، واحتج هذا القائل على ضعف القول الأول بأنه عليه السلام إنما دعا عليهم لأجل أن ينجيه الله تعالى وأهله ، وأجاب الله دعاءه فيه فكان حصول تلك النجاة كالمعلوم المتيقن في دعائه ، وذلك يمنع من أن يقال المطلوب من هذا النداء حصول هذه النجاة .

ثم إنه تعالى لما حكى عن نوح أنه ناداه قال بعده: { فَلَنِعْمَ المجيبون } وهذه اللفظة تدل على أن تلك الإجابة كانت من النعم العظيمة ، وبيانه من وجوه الأول: أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال: { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم والثاني: أنه أعاد صيغة الجمع في قوله: { فَلَنِعْمَ المجيبون } وذلك أيضًا يدل على تعظيم تلك النعمة . لا سيما وقد وصف تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة والثالث: أن الفاء في قوله: { فَلَنِعْمَ المجيبون } يدل على أن حصول هذه الإجابة مرتب على ذلك النداء ، والحكم المرتب على الوصف المناسب يقتضي كونه معللًا به ، وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة ، ثم إنه تعالى لما بين أنه سبحانه نعم المجيب على سبيل الإجمال ، بين أن الإنعام حصل في تلك الإجابة من وجوه الأول: قوله تعالى: { ونجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم } وهو على القول الأول الكرب الحاصل بسبب الخوف من الغرق ، وعلى الثاني الكرب الحاصل من أذى قومه والثاني: قوله: { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } يفيد الحصر وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا ، قال ابن عباس: ذريته بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس والروم ، وحام أبو السودان ، ويافث أبو الترك .

النعمة الثالثة: قوله تعالى: { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الأخرين * سلام على نُوحٍ فِى العالمين } يعني يذكرون هذه الكلمة ، فإن قيل فما معنى قوله: { فِى العالمين } قلنا معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعًا أي لا يخلو أحد منهم منها ، كأنه قيل أثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين فيسلمون عليه بكليتهم ، ثم إنه تعالى لما شرح تفاصيل إنعامه عليه قال: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } والمعنى أنا إنما خصصنا نوحًا عليه السلام بتلك التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوأة من ذريته ومن تبقية ذكره الحسن في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسنًا ، ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا لله مؤمنًا ، والمقصود منه بيان أن أعظم الدرجات وأشرف المقامات الإيمان بالله والانقياد لطاعته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت