واعلم أنهم إذا شبعوا فحينئذ يشتد عطشهم ويحتاجون إلى الشراب ، فعند هذا وصف الله شرابهم ، فقال: { ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ } [ الصافات: 67 ] قال الزجاج: الشوب اسم عام في كل ما خلط بغيره ، والحميم الماء الحار المتناهي في الحرارة ، والمعنى أنه إذا غلبهم ذلك العطش الشديد سقوا من ذلك الحميم ، فيحنئذ يشوب الزقوم بالحميم نعوذ بالله منهما .
واعلم أن الله وصف شرابهم في القرآن بأشياء منها كونه غساقًا ، ومنها قوله: { وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } [ محمد: 15 ] ومنها ما ذكره في هذه الآية ، فإن قيل ما الفائدة في كلمة { ثُمَّ } في قوله: { ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ } ؟ قلنا فيه وجهان الأول: أنهم يملأون بطونهم من شجرة الزقوم وهو حار يحرق بطونهم فيعظم عشطهم ، ثم إنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة والغرض تكميل التعذيب ، والثاني: أنه تعالى ذكر الطعام بتلك البشاعة والكراهة ، ثم وصف الشراب بما هو أبشع منه ، فكان المقصود من كلمة ثم بيان أن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول ، ثم قال تعالى: { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم } قال مقاتل: أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم ، وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم ، وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن الجحيم ، فهم يوردون الحميم لأجل الشرب كما تورد الإبل إلى الماء ، ثم يوردون إلى الجحيم ، فهذا قول مقاتل ، واحتج على صحته بقوله تعالى: { هذه جَهَنَّمُ التى يُكَذّبُ بِهَا المجرمون * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ } [ الرحمن: 43 ، 44 ] وذلك يدل على صحة ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما وصف عذابهم في أكلهم وشربهم قال: { إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءابَاءهُمْ ضَالّينَ * فَهُمْ على ءاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } قال الفراء: الإهراع الإسراع يقال هرع وأهرع إذا استحث ، والمعنى أنهم يتبعون آباءهم اتباعًا في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم ، والمقصود من الآية أنه تعالى علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين وترك اتباع الدليل ، ولو لم يوجد في القرآن آية غير هذه الآية في ذم التقليد لكفى .
ثم إنه تعالى ذكر لرسوله ما يوجب التسلية له في كفرهم وتكذيبهم ، فقال: { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } فبين تعالى أن إرساله للرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف ، ويجب أن يكون له A أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ، ويستمر على الدعاء إلى الله وإن تمردوا ، فليس عليه إلا البلاغ .
ثم قال تعالى: { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } وهذا وإن كان في الظاهر خطابًا مع الرسول A ، إلا أن المقصود منه خطاب الكفار لأنهم سمعوا بالأخبار جميع ما جرى من أنواع العذاب على قوم نوح وعلى عاد وثمود وغيرهم ، فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوف يصلح أن يكون زاجرًا لهم عن كفرهم . وقوله تعالى: { إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } فيه قولان أحدهما: أنه استثناء من قوله: { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين } والثاني: أنه استثناء من قوله: { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } [ يونس: 73 ] فإنها كانت أقبح العواقب وأفظعها إلا عاقبة عباد الله المخلصين ، فإنها كانت مقرونة بالخير والراحة .