فهرس الكتاب

الصفحة 5123 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم الحج ومناسكه وما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، وقد ذكرنا من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال: { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءَامَنُواْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بالألف ومثله { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف فيهما . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم { إِنَّ الله يُدَافِعُ } بالألف { وَلَوْلاَ دَفْعُ } بغير ألف ، فمن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم ، وقال الخليل يقال دفع الله المكروه عنك دفعًا ودافع عنك دفاعًا والدفاع أحسنهما .

المسألة الثانية: ذكر { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ } ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم ، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين . فلذلك قال بعده { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته .

المسألة الثالثة: قال مقاتل: إن الله يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة ، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبي A في قتلهم سرًا فنهاهم .

المسألة الرابعة: هذه الآية بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكف بوائقهم عنهم وهي كقوله: { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } [ آل عمران: 111 ] وقوله: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءَامَنُواْ } [ غافر: 51 ] وقال: { إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } [ الصافات: 172 ] { وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } [ الصف: 13 ] .

أما قوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } فالمعنى أنه سبحانه جعل العلة في أنه يدافع عن الذين آمنوا أن الله لا يحب صدهم ، وهو الخوان الكفور أي خوان في أمانة الله كفور لنعمته ونظيره قوله: { لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم } [ الأنفال: 27 ] قال مقاتل أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه؟

أما قوله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم في رواية حفص { أَذِنَ } بضم الألف والباقون بفتحها أي أذن الله لهم في القتال ، وقرأ أهل المدينة وعاصم { يقاتلون } بنصب التاء ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { أَذِنَ } بنصب الف { ويقاتلون } بكسر التاء . قال الفراء والزجاج: يعني أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل ، ومن قرأ بفتح التاء فالتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال .

المسألة الثانية: في الآية محذوف والتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه .

أما قوله: { بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } فالمراد أنهم أذنوا في القتال بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله A كان مشركوا مكة يؤذونهم أذى شديدًا وكانوا يأتون رسول الله A من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بقتال حتى هاجر فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية ، وقيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن في مقاتلتهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت