فهرس الكتاب

الصفحة 1017 من 8321

اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله: { لَهُمْ } على ثلاثة أقوال أحدها: أنه عائد على { مِنْ } في قوله: { مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا } [ البقرة: 165 ] وهم مشركو العرب ، وقد سبق ذكرهم وثانيها: يعود على { الناس } في قوله: { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } [ البقرة: 21 ] فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الإلتفات مبالغة في بيان ضلالهم ، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون وثالثها: قال ابن عباس: نزلت في اليهود ، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام ، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا خير منا ، وأعلم منا ، فعلى هذا الآية مستأنفة ، والكناية في { لَهُمْ } تعود إلى غير مذكور ، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم ، كما يعود على المذكور ، ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الكسائي يدغم لام { هَلُ } و { بَلِ } في ثمانية أحرف: التاء كقوله { بَلْ تُؤْثِرُونَ } [ الأعلى: 16 ] والنون { بَلْ نَتَّبِعُ } والثاء { هَلْ ثُوّبَ } [ المطففين: 36 ] والسين { بَلْ سَوَّلَتْ } [ يوسف: 18 ] والزاي { بَلْ زُيّنَ } [ الرعد: 33 ] والضاد { بَلْ ضَلُّواْ } [ الأحقاف: 28 ] والظاء { بَلْ ظَنَنْتُمْ } والطاء { بَلْ طَبَعَ } [ النساء: 155 ] وأكثر القراء على الإظهار ، ومنهم من يوافقه في البعض ، والإظهار هو الأصل .

المسألة الثانية: { أَلْفَيْنَا } بمعنى وجدنا ، بدليل قوله تعالى في آية أخرى { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا } [ لقمان: 21 ] ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب } [ يوسف: 25 ] وقوله: { إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ } [ الصافات: 69 ] .

المسألة الثالثة: معنى الآية: أن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك ، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا ، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد ، وأجاب الله تعالى عنهم بقوله: { أَوْ لَّوْ كَانَ آباؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الواو في { أَوْ لَوْ } واو العطف ، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع ، وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة ، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه .

الثانية: تقرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقًا أم لا؟ فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقًا ، فكيف عرفت أنه محق؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل ، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف ، فلا حاجة إلى التقليد ، وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم / كونه محقًا ، فاذن قد جوزت تقليده ، وإن كان مبطلًا فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل وثانيها: هب أن ذلك المتقدم كان عالمًا بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالمًا بذلك الشيء قط وما اختار فيه ألبتة مذهبًا ، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا وثالثها: أنك إذا قلدت من قبلك ، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل ، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل ، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد ، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل ، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفًا له ، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت