في الآية مسألتان:
المسألة الأولى: أثبتت الهمزة الساكنة في ( نبىء ) صورة ، وما أثبتت في قوله: { دِفْء } { وجزء } لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرًا وتلقى حركتها على الساكن قبلها ، ف ( نبىء ) في الخط على تحقيق الهمزة ، وليس قبل همزة ( نبىء ) ساكن فاجرؤها على قياس الأصل:
المسألة الثانية: اعلم أن عباد الله قسمان: منهم من يكون متقيًا ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة ، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال: { نَبّىء عِبَادِى } .
واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فههنا وصفهم بكونهم عبادًا له ، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفورًا رحيمًا ، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كونه الله غفورًا رحيمًا ومن أنكر ذلك كان مستوجبًا للعقاب الأليم . وفي الآية لطائف: أحدها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: { عِبَادِي } وهذا تشريف عظيم . ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدًا A ليلة المعراج لم يزد على قوله: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ } [ الإسراء: 1 ] . وثانيها: أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها: قوله: { أَنّى } . وثانيها: قوله: { أَنَاْ } . وثالثها: ادخال حرف الألف واللام على قوله: { الغفور الرحيم } ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك بل قال: { وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم } . وثالثها: أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة . ورابعها: أنه لما قال: { نَبّىء عِبَادِي } كان معناه نبىء كل من كان معترفًا بعبوديتي ، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع ، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي ، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى . وعن قتادة قال: بلغنا عن النبي A أنه قال: « لو يعلم العبد قدر عفو الله تعالى ما تورع من حرام ، ولو علم قدر عقابه لبخع نفسه » أي قتلها وعن النبي A أنه مر بنفر من أصحابه ، وهم يضحكون فقال: « أتضحكون والنار بين أيديكم » فنزل قوله: { نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم } ، والله أعلم .