فهرس الكتاب

الصفحة 4412 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة ، إظهارًا للفضل والرحمة والكرم ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } من وجهين: الأول: أنه قال: { ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم } فأضاف الظلم إلى كل الناس ، ولا شك أن الظلم من المعاصي ، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيًا بالذنب والمعصية ، والأنبياء عليهم السلام من الناس ، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية . والثاني: أنه تعالى قال: ما ترك على ظهرها من دابة وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب ، حتى يلزم من إفناء كل ما كان ظالمًا إفناء كل الناس . أما إذا قلنا: الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم ، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس ، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة ، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك .

والجواب: ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } [ فاطر: 32 ] أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ، ولو كان المقتصد والسابق ظالمًا لفسد ذلك التقسيم ، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون .

وإذا ثبت هذا فنقول: الناس المذكورون في قوله: { ولو يؤاخذ الله الناس } إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات . وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال . والله أعلم .

المسألة الثانية: من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل من المضار الحرمة ، فقال: لو كان الضرر مشروعًا لكان إما أن يكون مشروعًا على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه ، والقسمان باطلان ، فوجب أن لا يكون مشروعًا أصلًا .

أما بيان فساد القسم الأول ، فلقوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة } والاستدلال به نم وجهين: الأول: أن كلمة « لو » وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة } يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة . والثاني: أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة ، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين ، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم ، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت