فهرس الكتاب

الصفحة 4686 من 8321

اعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة ، فكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا غيرهم على أحوالهم يقال عثرت على كذا أي علمته وقالوا: إن أصل هذا أن من كان غافلًا عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه ، فكان العثار سببًا لحصول العلم والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا في السبب الذي لأجله عرف الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين: الأول: أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولًا مخالفًا للعادة وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد طالت طولًا خارجًا عن العادة . والثاني: أن ذلك الرجل لما دخل إلى السوق ليشتري الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام: هذه النقود غير موجودة في هذا اليوم . وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة طويلة ودهر داهر فلعلك وجدت كنزًا ، واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل إلى ملك البلد فقال الملك من أين وجدت هذه الدراهم؟ فقال: بعت بها أمس شيئًا من التمر ، وخرجنا فرارًا من الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزًا وأن الله بعثه بعد موته ثم قال تعالى: { لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } يعني أنا إنما أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر روى أن ملك ذلك الوقت كان ممن ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفًا فجعل الله أمر الفتية دليلًا للملك ، وقيل بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعًا ، وقال آخرون: الروح تبعث ، وأما الجسد فتأكله الأرض . ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل الكهف . فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد ، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله: { إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ } متعلق بأعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم . واختلفوا في المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث ، فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته ، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها ، وقيل: إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس ، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا . والقول الثالث: أن بعضهم قال: الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت