اعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوّات فإنهم يقولون: لو بعث الله إلى الخلق رسولًا لوجب أن يكون ذلك الرسول واحدًا من الملائكة فإنهم إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر ، وقدرتهم أشد ، ومهابتهم أعظم ، وامتيازهم عن الخلق أكمل ، والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل . والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاءً إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى . فلما كان وقوع الشبهات في نبوّة الملائكة أقل ، وجب لو بعث الله رسولًا إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة هذا هو المراد من قوله تعالى: { وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } .
واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين: أما الأول: فقوله { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الأمر } ومعنى القضاء الإتمام والإلزام . وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة . ثم هاهنا وجوه: الأول: أن إنزال الملك على البشر آية باهرة ، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء اللكفار فربما لم يؤمنوا كما قال: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة } إلى قوله { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الأنعام: 111 ] وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال ، فإن سنّة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا جاءهم عذاب الاستئصال ، فهاهنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب والوجه الثاني: أنهم إذا شاهدوا الملك رهقت أرواحهم من هول ما يشهدون ، وتقريره: أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر . فإن كان الأول لم يبقَ الآدمي حيًا ، ألا ترى أن رسول الله A لما رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية غشي عليه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون المرئي شخصًا على صورة البشر ، وذلك لا يتفاوت الحال فيه سواء كان هو في نفسه ملكًا أو بشرًا . ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم ، وأضياف لوط ، وكالذين تسوروا المحراب ، وكجبريل حيث تمثل لمريم بشرًا سويًا . والوجه الثالث: أن إنزال الملك آية باهرة جارية مجرى الالجاء ، وإزالة الاختيار ، وذلك مخل بصحة التكليف . الوجه الرابع: أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهات المذكورة إلا أنه يقوي الشبهات من وجه آخر ، وذلك لأن أي معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك ، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت ، فعلمنا أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهة من الوجوه المذكورة لكنه يقوي الشبهة من هذه الوجوه .
وأما قوله { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } فالفائدة في كلمة { ثُمَّ } التنبيه على أن عدم الانظار أشد من قضاء الأمر ، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة . وأما الثاني: فقوله { وَلَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا } أي لجعلناه في صورة البشر . والحكمة فيه أمور: أحدها: أن الجنس إلى الجنس أميل . وثانيها: أن البشر لا يطيق رؤية الملك ، وثالثها: ان طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر ، وربما لا يعذرونهم في الاقدام على المعاصي . ورابعها: أن النبوّة فضل من الله فيختص بها من يشاء من عباده ، سواء كان ملكًا أو بشرًا .