اعلم أن قوله تعالى: { إِذَا السماء انشقت } [ الإنشقاق: 1 ] إلى قوله: { يا أيها الإنسان } شرط ولا بد له من جزاء واختلفوا فيه على وجوه أحدها: قال صاحب الكشاف: حذف جواب إذًا ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أدخل في التهويل وثانيها: قال الفراء: إنما ترك الجواب لأن هذا المعنى معروف قد تردد في القرآن معناه فعرف ، ونظيره قوله: { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر: 1 ] ترك ذكر القرآن لأن التصريح به قد تقدم في سائر المواضع وثالثها: قال بعض المحققين: الجواب هو قوله: { فملاقيه } وقوله: { يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ كَدْحًا } [ الإنشقاق: 6 ] معترض ، وهو كقول القائل إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر ، فكذا ههنا . والتقدير إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله ورابعها: أن المعنى محمول على التقديم والتأخير فكأنه قيل: يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه إذا السماء انشقت وقامت القيامة وخامسها: قال الكسائي: إن الجواب في قوله: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه } [ الإنشقاق: 7 ] واعترض في الكلام قوله: { يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ } والمعنى إذا السماء انشقت ، وكان كذا وكذا من أوتي كتابه بيمينه فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فهو كذا ، ونظيره قوله تعالى: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } [ البقرة: 38 ] ، وسادسها: قال القاضي: إن الجواب ما دل عليه قوله: { إِنَّكَ كَادِحٌ } كأنه تعالى قال: يا أيها الإنسان ترى ما عملت فاكدح لذلك اليوم أيها الإنسان لتفوز بالنعيم أما قوله: { يا أيها الإنسان } ففيه قولان: الأول: أن المراد جنس الناس كما يقال: أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل ، فكذا ههنا . وكأنه خطاب خص به كل واحد من الناس ، قال القفال: وهو أبلغ من العموم لأنه قائم مقام التخصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العام فإنه لا يكون كذلك والثاني: أن المراد منه رجل بعينه ، وههنا فيه قولان: الأول: أن المراد به محمد A والمعنى أنك تكدح في إبلاغ رسالات الله وإرشاد عباده وتحمل الضرر من الكفار ، فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل وهو غير ضائع عنده الثاني: قال ابن عباس: هو أُبيّ بن خلف ، وكدحه جده واجتهاده في طلب الدنيا ، وإيذاء الرسول عليه السلام ، والإصرار على الكفر ، والأقرب أنه محمول على الجنس لأنه أكثر فائدة ، ولأن قوله: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ } [ الإنشقاق: 7 ] { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه وَرَاء ظَهْرِهِ } [ الإنشقاق: 10 ] كالنوعين له ، وذلك لا يتم إلا إذا كان جنسًا ، أما قوله: { إِنَّكَ كَادِحٌ } فاعلم أن الكدح جهد الناس في العمل والكدح فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه ، أما قوله: { إلى رَبّكَ } ففيه ثلاثة أوجه أحدها: إنك كادح إلى لقاء ربك وهو الموت أي هذا الكدح يستمر ويبقى إلى هذا الزمان ، وأقول في هذا التفسير نكتة لطيفة ، وذلك لأنها تقتضي أن الإنسان لا ينفك في هذه الحياة الدنيوية من أولها إلى آخرها عن الكدح والمشقة والتعب ، ولما كانت كلمة إلى لانتهاء الغاية ، فهي تدل على وجوب انتهاء الكدح والمشقة بانتهاء هذه الحياة ، وأن يكون الحاصل بعد هذه الدنيا محض السعادة والرحمة ، وذلك معقول ، فإن نسبة الآخرة إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى رحم الأم ، فكما صح أن يقال: يا أيها الجنين إنك كادح إلى أن تنفصل من الرحم ، فكان ما بعد الانفصال عن الرحم بالنسبة إلى ما قبله خالصًا عن الكدح والظلمة فنرجوا من فضل الله أن يكون الحال فيما بعد الموت كذلك وثانيهما: قال القفال: التقدير إنك كادح في دنياك كدحًا تصير به إلى ربك فبهذا التأويل حسن استعمال حرف إلى ههنا وثالثها: يحتمل أن يكون دخول إلى على معنى أن الكدح هو السعي ، فكأنه قال: ساع بعملك { إلى رَبّكَ } أما قوله تعالى: { فملاقيه } ففيه قولان: الأول: قال الزجاج: فملاق ربك أي ملاق حكمه لا مفر لك منه ، وقال آخرون: الضمير عائد إلى الكدح ، إلا أن الكدح عمل وهو عرض لا يبقى فملاقاته ممتنعة ، فوجب أن يكون المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال ، ويتأكد هذا التأويل بقوله بعد هذه الآية: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ } .