ورفع السماء معلوم معنى ، ونصبها معلوم لفظًا فإنها منصوبة بفعل يفسره قوله: { رَفَعَهَا } كأنه تعالى قال: رفع السماء ، وقرىء { والسماء } بالرفع على الابتداء والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله: { الشمس والقمر } [ الرحمن: 5 ] وأما وضع الميزان فإشارة إلى العدل وفيه لطيفة وهي أنه تعالى بدأ أولًا بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ، ثم ذكر العدل وذكر أخص الأمور له وهو الميزان ، وهو كقوله تعالى: { وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان } [ الحديد: 25 ] ليعمل الناس بالكتاب ويفعلوا بالميزان ما يأمرهم به الكتاب فقوله: { عَلَّمَ القرءان } [ الرحمن: 2 ] { وَوَضَعَ الميزان } مثل: { وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان } فإن قيل: العلم لا شك في كونه نعمة عظيمة ، وأما الميزان فما الذي فيه من النعم العظيمة التي بسببها يعد في الآلاء؟ نقول: النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر ولو في الشيء اليسير ، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه لغلبة ، فلا أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلولا التبيين ثم التساوي لأوقع الشيطان بين الناس البغضاء كما وقع عند الجهل وزوال العقل والسكر ، فكما أن العقل والعلم صارا سببًا لبقاء عمارة العالم ، فكذلك العدل في الحكمة سبب ، وأخص الأسباب الميزان فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته لكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما .