وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي { سَيَغْلِبُونَ وَيُحْشَرون } بالياء فيهما ، والباقون بالتاء المنقطة من فوق فيهما ، فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت ، فالمعنى: بلغهم أنهم سيغلبون ، ويدل على صحة الياء قوله تعالى: { قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله } [ الجاثية: 14 ] و { قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ } [ النور: 30 ] ولم يقل غضوا ، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة ، ويدل على حسن التاء قوله { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب } [ آل عمران: 81 ] والفرق بين القراءتين من حيث المعنى أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم ، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم والله أعلم .
المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهًا الأول: لما غزا رسول الله A قريشًا يوم بدر وقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع ، وقال: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا ، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفرًا من قريش لا يعرفون القتال ، لو قاتلتنا لعرفت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
الرواية الثانية: أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر ، قالوا: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة ، ونعته وأنه لا ترد له راية ، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا: ليس هذا هو ذاك ، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والرواية الثالثة: أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم ، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم .
المسألة الثالثة: احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية ، فقال: إن الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم ، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذبًا وذلك محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان الإيمان والطاعة محالًا منهم ، وقد أمروا به ، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق ، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى: { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 6 ] .
المسألة الرابعة: قوله { سَتُغْلَبُونَ } إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد وقع مخبره على موافقته ، فكان هذا إخبارًا عن الغيب وهو معجز ، ونظيره قوله تعالى: { غُلِبَتِ الروم * فِى أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } الروم: 2 ، 3 ) الآية ، ونظيره في حق عيسى عليه السلام { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } [ آل عمران: 49 ] .
المسأُلة الخامسة: دلّت الآية على حصول البعث في القيامة ، وحصول الحشر والنشر ، وأن مرد الكافرين إلى النار .
ثم قال: { وَبِئْسَ المهاد } وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال: { بِئْسَ المهاد } والمهاد: الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش ، قال الله تعالى: { والأرض فرشناها فَنِعْمَ الماهدون } [ الذاريات: 48 ] فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة ، قال الله تعالى: { وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } [ الأعراف: 165 ] أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله .