في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة ، ومذاهبهم الباطلة ، وقوله: { وكذلك } عطف على قوله: { وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام } [ الأنعام: 136 ] أي كما فعلوا ذلك ، فكذلك زين لكثير منهم شركاؤهم قتل الأولاد ، والمعنى: أن جعلهم لله نصيبًا ، وللشركاء نصيبًا ، نهاية في الجهل بمعرفة الخالق المنعم ، وإقدامهم على قتل أولاد أنفسهم نهاية في الجهالة والضلالة ، وذلك يفيد التنبيه على أن أحكام هؤلاء وأحوالهم يشاكل بعضها بعضًا في الركاكة والخساسة .
المسألة الثانية: كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفًا من الفقر أو من التزويج ، وهو المراد من هذه الآية . واختلفوا في المراد بالشركاء ، فقال مجاهد: شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة ، وسميت الشياطين شركاء ، لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى ، وأضيفت الشركاء إليهم ، لأنهم اتخذوها كقوله تعالى: { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } [ الأنعام: 22 ] وقال الكلبي: كان لآلهتهم سدنة وخدام ، وهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم ، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلامًا لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله ، وعلى هذا القول: الشركاء هم السدنة ، سموا شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد .
المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر وحده { زُيّنَ } بضم الزاء وكسر الياء ، وبضم اللام من { قَتْلَ } و { أولادهم } بنصب الدال { شُرَكَائِهِمْ } بالخفض والباقون { زيّنَ } بفتح الزاي والياء { قَتْلَ } بفتح اللام { أولادهم } بالجر { شُرَكَاؤُهُمْ } بالرفع . أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم ، إلا أنه فصل بين المضاف ، والمضاف إليه بالمفعول به وهو الأولاد ، وهو مكروه في الشعر كما في قوله:
فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مزاده
وإذا كان مستكرهًا في الشعر فكيف في القرآن الذي هو معجز في الفصاحة . قالوا: والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى في بعض المصاحف { شُرَكَائِهِمْ } مكتوبًا بالياء ، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء ، لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب . وأما القراءة المشهورة: فليس فيها إلا تقديم المفعول على الفاعل ، ونظيره قوله: { لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } [ الأنعام: 158 ] وقوله: { وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ } [ البقرة: 124 ] والسبب في تقديم المفعول هو أنهم يقدمون الأهم ، والذي هم بشأنه أعنى وموضع التعجب ههنا إقدامهم على قتل أولادهم ، فلهذا السبب حصل هذا التقدير .
ثم قال تعالى: { لِيُرْدُوهُمْ } والإرداء في اللغة الإهلاك ، وفي القرآن { إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } [ الصافات: 56 ] قال ابن عباس: ليردوهم في النار ، واللام ههنا محمولة على لام العاقبة كما في قوله: { فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } [ القصص: 8 ] { وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } أي ليخلطوا ، لأنهم كانوا على دين إسمعيل ، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة ، أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق .
ثم قال تعالى: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } قال أصحابنا: إنه يدل على أن كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى . قالت المعتزلة: إنه محمول على مشيئة الإلجاء ، وقد سبق ذكره مرارًا { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } [ الأنعام: 112 ] وهذا على قانون قوله تعالى: { اعملوا مَا شِئْتُمْ } [ فصلت: 40 ] وقوله: { وَمَا يَفْتَرُونَ } يدل على أنهم كانوا يقولون: إن الله أمرهم بقتل أولادهم ، فكانوا كاذبين في ذلك القول .